دينا كرم الدين تكتب: السكن مقابل الانجاز

#كيف_أضاع_العالم_العربي_مستقبله_في_وهم_العقار
نحن في العالم العربي نقدس الطوب والأسمنت أكثر مما نقدس الإنسان نفسه
صرنا نعامل العقار كأنه دين اقتصادي لا يمس وكأن الشقة @هي صك النجاة والأرض هي الطريق الوحيد للأمان والفيلا هي تعريف النجاح. بينما الحقيقة أكثر قسوة: نعم حين يتحول المجتمع كله إلى سمسار فمن الذي سيبني المستقبل؟
منذ سنوات طويلة، تم زرع فكرة خطيرة في عقول الناس:
اشتري شقة… العقار لا يخسر.
فترك الناس الصناعة، وأهملوا التكنولوجيا وتراجع الاهتمام بالبحث العلمي وانصرف الشباب عن الابتكار إلى مطاردة مقدم شقة وقسط لا ينتهي. أصبح حلم المتفوق أن يشتري وحدة، لا أن يؤسس شركة وأصبح إنجاز الأسرة أن تزوج ابنها في شقة تمليك، لا أن تمنحه تعليمًا يصنع له قيمة.
العقار مهم نعم. السكن ضرورة نعم. الاستثمار المتزن مطلوب نعم.
لكن أن يتحول العقار إلى مركز الكون الاقتصادي فهذه كارثة ناعمة.
كم شابًا تعطلت حياته لأنه لا يستطيع شراء شقة؟
كم فتاة تأخر زواجها لأن المجتمع ربط الزواج بعدد الأمتار؟
كم أموال تجمدت داخل جدران لا تنتج شيئًا؟
كم مليارات صُبت في أبراج فارغة ؟بينما المصانع تحتاج تمويلًا، والشركات الناشئة تبحث عن فرصة والعقول المبدعة تهاجر؟
في دول كثيرة الناس تعيش بالإيجار طبيعيًا وتتنقل بحرية وتستثمر أموالها في التعليم والأسهم والمشاريع والخبرة والسفر. لا أحد يربط الكرامة بملكية شقة في الدور التاسع. لا أحد يقيس الرجولة بعدد الحمامات والريسبشن.
أما نحن فأحيانًا نحمل الشباب عمرًا كاملًا من الديون ليشتروا عنوانًا بريديًا.
الاقتصاد الحقيقي لا يقوم على بيع نفس الأرض عشر مرات بل على الإنتاج.
لا يقوم على كومباوند جديد كل شهر بل على شركة جديدة كل يوم.
لا يقوم على تشطيب فاخر بل على عقل فاخر.
نحن لا نحتاج هدم العقار بل نحتاج هدم وهم العقار.
نحتاج أن نفهم أن الشقة وسيلة وليست غاية.
أن البيت مكان نعيش فيه لا مشروع عمر نُدفن تحته.
أن قيمة الإنسان فيما يُنتج لا فيما يملك.
لو استثمرنا نصف الهوس العقاري في التكنولوجيا والزراعة الحديثة والتعليم والصناعة لكان شكل المنطقة مختلفًا تمامًا.
السؤال الذي يجب أن يُقلق الجميع:
هل نبني مدنًا للعيش… أم نبني أوهامًا للبيع؟
الطوب مهم. الأسمنت مهم. لكن أخطر شيء أن يصبحا أهم من الإنسان.
وهنا تبدأ أخطر نقطة:
هل وظيفة الدولة أن تبيع الشقق؟ أم أن تصنع اقتصادًا يجعل المواطن قادرًا على السكن الكريم دون أن يبيع عمره؟
المعادلة الحالية في كثير من الدول العربية مرهقة:
شاب يعمل عشرين سنة ليشتري شقة ..فيتأخر الزواج ..ويؤجل الإنجاب ..ويتنازل عن أحلامه ..ويتحول راتبه إلى أقساط. والدولة تواصل البناء ..والمطور يواصل البيع ..والمجتمع يواصل التصفيق… بينما الطاقة البشرية تستهلك في سباق إسمنتي طويل
لكن ماذا لو قلبنا الفكرة من جذورها؟
النموذج الأذكى: الدولة المطور… والمواطن المنتج
بدلًا من أن يكون العقار مجرد سلعة للبيع، يمكن أن يصبح أداة تنمية وطنية.
كيف؟
تقوم الدولة أو صناديقها السيادية ببناء مجتمعات سكنية ذكية مخصصة للشباب والعاملين بمستوى جيد ومحترم ثم تُطرح بنظام الإيجار طويل الأجل بأسعار عادلة وليس البيع فقط.
في المقابل:
* الشاب لا يدفن تحت قروض 30 سنة.
* يستطيع الزواج مبكرًا.
* ينفق على التعليم والصحة وتأسيس مشروع.
* يتحرك بين المدن حسب الفرص الوظيفية بسهولة.
* يصبح أكثر إنتاجًا وأقل ضغطًا نفسيًا.
والدولة ماذا تستفيد؟
1. دخل مستدام لا ينقطع
بدل ربح البيع مرة واحدة تحصل الدولة على تدفقات نقدية شهرية مستمرة من الإيجارات المنظمة.
2. تشغيل الاقتصاد الحقيقي
حين لا يذهب دخل الشباب كله للأقساط يُضخ المال في الأسواق المشاريع الاستهلاك الذكي الاستثمار.
3. رفع الإنتاجية الوطنية
المواطن المستقر سكنيًا يعمل أفضل، يبدع أكثر، ويستهلك أقل من الدعم الاجتماعي لاحقًا.
4. جذب المواهب
حين يصبح السكن ميسرًا تستطيع الدولة جذب الكفاءات من الداخل والخارج.
5. مكافحة المضاربة العقارية
يتحول العقار من أداة احتكار إلى خدمة اقتصادية متوازنة.
المكافأة العبقرية: السكن مقابل الإنجاز
وهنا الفكرة الذهبية.
يمكن ربط مزايا السكن بمساهمة الفرد في الاقتصاد:
* الطبيب في المناطق النائية يحصل على سكن مدعوم.
* المهندس في الصناعة الاستراتيجية يحصل على أولوية.
* المعلم المتميز يحصل على تخفيض.
* رائد الأعمال الذي يوظف شبابًا يحصل على وحدة إيجارية مرنة.
* العامل المنتج يحصل على نقاط سكنية سنوية.
فيصبح العقار مكافأة للإنتاج لا جائزة للمضاربة.
لماذا هذه الفكرة عالمية؟
لأن العالم كله يواجه الآن:
* ارتفاع أسعار السكن
* تأخر الزواج وتكوين الأسر
* ضغط الديون
* هروب الشباب من المدن الكبرى
* فجوة بين الدخل وأسعار العقار
ومن يبتكر نموذج “السكن التنموي أولًا… سيقود مستقبل المدن.
الرسالة الصريحة
الدولة الذكية لا تبيع المواطن جدرانًا فقط بل تمنحه منصة حياة.
لا تجعله أسير شقة بل شريكًا في اقتصاد.
لا تطلب منه أن يدفع عمره مقدمًا… ثم يعيش
حين يصبح أكبر حلم للشاب هو شقة فهناك خلل.
وحين يصبح أكبر إنجاز للدولة هو تسليم وحدات فقط فهناك خلل أكبر.
أما حين يصبح السكن وسيلة لإطلاق الإنسان والإنتاج… هنا تبدأ النهضة.
الطوب يبني مبنى.
لكن الفكرة تبني أمة.
والسؤال الحقيقي
لماذا لم نفكر من البداية بشكل أذكى؟
لماذا تُرك ملف السكن ليقوده منطق المطور والبيع السريع بينما كان يمكن للدولة أن تقود نموذجًا أكثر عدلًا وربحًا واستدامة؟
لماذا لم تبدأ الحكومات منذ البداية ببناء مدن سكنية للإيجار المنظم للشباب بدلًا من دفع الجميع إلى سباق التملك الإجباري؟
لماذا لم يتحول العقار إلى أصل اقتصادي يدر دخلًا مستمرًا للدولة بدل أن يُباع مرة وينتهي أثره؟
لماذا لم يُمنح الشاب فرصة أن يسكن أولًا… ثم ينجح… ثم يشتري إن أراد لاحقًا؟
لماذا جعلنا أول خطوة في الحياة هي الأصعب؟
شقة ثم مقدم ثم تشطيب ثم فرش ثم ديون ثم ثم بعد ذلك نقول للشباب: لماذا تأخرتم؟
لماذا لم يكن هناك تصور وطني يقول:
* نسكن الشباب بإيجار عادل.
* نربط السكن بالعمل والإنتاج.
* نمنح المجتهد مزايا.
* نُحرّك العمالة بين المدن.
* نخلق دخلًا ثابتًا للدولة.
* نقلل المضاربة والاحتكار.
* نفتح الباب للزواج المبكر والاستقرار. لماذا لم نفهم أن الإنسان إذا استقر… أنتج؟
وإذا أُرهق… تعطل؟
لماذا تُبنى الأبراج أسرع من بناء الفرص؟ولماذا أصبح عدد الوحدات أهم من جودة الحياة؟
كان يمكن أن يحدث الكثير
كان يمكن أن يبدأ الشاب حياته بلا ديون خانقة.
كان يمكن أن تتزوج أجيال أبكر.
كان يمكن أن تدخل الأموال إلى الصناعة والمشاريع بدل تجميدها في الخرسانة. كان يمكن أن يصبح السكن حقًا اقتصاديًا لا معركة عمر.لكن الذي حدث أن كثيرين تعاملوا مع العقار كسلعة فقط لا كسياسة اجتماعية ولا أداة تنمية.
والسؤال الذي يجب أن يقال الآن بصوت عالٍ:
إذا كانت الفكرة القديمة أرهقت الناس… فلماذا نستمر فيها؟
التاريخ لا يحاسب من أخطأ فقط
بل يحاسب من فهم الخطأ… ثم كرره



