القراءة حرية مؤجلة.. رحلة داخل مكتبات مراكز الإصلاح والتأهيل

كتبت سوزان مرمر
بين أسوار مراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة، لم تعد لغة الانضباط هي الوحيدة المسموعة، بل ارتفعت فوقها أصوات تقليب صفحات الكتب.
القراءة “طوق نجاة” حقيقي
هنا، في “محراب المعرفة” داخل مراكز التأهيل، تتحول القراءة من مجرد تزجية للوقت إلى “طوق نجاة” حقيقي، يعيد تشكيل وجدان النزيل ويمنحه تذكرة عبور نحو حياة جديدة تبدأ قبل أن يغادر باب المركز.
تعد مكتبات مراكز الإصلاح والتأهيل ركيزة أساسية في فلسفة العقاب الحديثة التي تتبناها وزارة الداخلية، حيث لم تعد النظرة للنزيل كـ “سجين” يقضي عقوبة، بل كـ “إنسان” يحتاج لإعادة تأهيل فكري ونفسي.
تضم هذه المكتبات آلاف العناوين في شتى مجالات المعرفة، من الأدب والسياسة إلى العلوم واللغات، لتوفر للنزلاء وجبة ثقافية دسمة تفتح أمامهم آفاقاً لم يعهدوها من قبل.
في جولات سابقة داخل إحدى هذه المكتبات، تبهرك نظافة المكان وتنظيمه الذي يضاهي أكبر المكتبات العامة. تجد النزلاء يلتفون حول طاولات القراءة في صمت مهيب، كل منهم غارق في عالم آخر.
أحدهم يقرأ في التاريخ ليفهم جذور أزمته، والآخر يدرس اللغات ليفتح لنفسه باب رزق بعد خروجه، وثالث يغرق في الروايات التي تمنحه “حرية مؤقتة” خارج أسوار الزنزانة.
اللافت للنظر هو التنوع الثقافي والمسابقات التي تُنظم بانتظام، حيث يتم تشجيع النزلاء على كتابة الملخصات والمقالات والشعر، وتوزع الجوائز على المتميزين منهم.
هذا النوع من “القوة الناعمة” أثبت نجاحه في تقويم السلوك؛ فالكتاب الذي يمسك به النزيل اليوم، هو الضمانة الأكبر لعدم عودته إلى طريق الجريمة غداً. فالقراءة هنا تعمل كمشرط جراح يزيل الأفكار المتطرفة والسلوكيات المنحرفة، ويغرس بدلاً منها بذور التسامح والطموح.
“ثورة صامتة” ضد الجهل والجريمة
إن ما يحدث داخل مكتبات مراكز الإصلاح والتأهيل هو “ثورة صامتة” ضد الجهل والجريمة. هي رسالة واضحة بأن الدولة لا تسعى للعقاب لمجرد الانتقام، بل للإصلاح وبناء الإنسان. الكتاب في يد النزيل ليس مجرد ورق، بل هو “بروفة” للحرية الحقيقية، تلك الحرية التي تبدأ باستقامة الفكر قبل فك القيود.
لقد تحولت هذه المكتبات إلى جسور ممتدة بين النزلاء والمجتمع، لتؤكد أن خلف هذه الأسوار أمل يتجدد، وعقولاً تستحق فرصة ثانية، وأن المعرفة هي السلاح الوحيد القادر على تحويل “خريج السجن” إلى “عضو نافع” في المجتمع.



