يهود مصر بين الهجرة والاندماج السرطانى

بقلم / ناصر السلاموني
كانت الجالية اليهودية في مصر جزءًا مهمًا من نسيج المجتمع المصري، خصوصًا في القاهرة والإسكندرية. قبل عام 1948، كان عدد اليهود المصريين يقدر بين 70 و80 ألف نسمة، حسب المؤرخ جوئيل بينين (The Dispersion of Egyptian Jewry). وقد شارك هؤلاء في مختلف الأنشطة الاقتصادية، من تجارة وصناعة ومهن مهنية، فضلاً عن مساهماتهم الثقافية والفنية في السينما والمسرح والموسيقى.
الهجرة في عهد عبد الناصر
مع قيام دولة إسرائيل عام 1948، وتفاقم التوترات السياسية، بدأت أوضاع اليهود المصريين تتغير تدريجيًا. ثم جاءت أحداث العدوان الثلاثي على مصر 1956 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، لتشكل نقطة تحول حاسمة. ففرضت الدولة الحراسة على ممتلكات بعض اليهود، ثم قوانين التأميم عام 1961، وهو ما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة منهم إلى أوروبا وأمريكا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط.
الباحث مايكل لاسكير يؤكد أن الهجرة كانت نتيجة تداخل عوامل سياسية واقتصادية وأمنية، وليست بسبب عامل واحد، بينما تشير جودرون كريمر إلى أن عدد اليهود المتبقين في مصر تقلص بشدة بحلول ستينيات القرن العشرين.
تغيير الأسماء والاندماج
أظهرت مقاطع وحوارات تلفزيونية متداولة على السوشيال ميديا، شهادات لأشخاص من أصول يهودية مصرية، أكدوا أن بعض من بقي داخل مصر غيروا أسماؤهم إلى أسماء عربية أو إسلامية حفاظًا على حياتهم ومصالحهم التجارية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه الحالات كانت جزئية وليست عامة، ولم تتحول إلى دراسة أكاديمية شاملة.
ولعل أبرز ما يثير الجدل اليوم، هو ظهور بعض الأشخاص من أصول يهودية مصرية على وسائل الإعلام وهم يهاجمون الإسلام أو يدّعون “التنوير”، لكن هذا الربط بين الهجرة أو تغيير الأسماء والاتجاهات الفكرية المعاصرة لا يستند إلى أي دليل علمي موثوق.
المعابد اليهودية وأماكن العبادة
اليهود في مصر اليوم قليلون، ومعظمهم من كبار السن، ويُقدّر عدد المعابد الصالحة جزئيًا بحوالي 7–8 معابد، أغلبها في القاهرة والإسكندرية:
كنيس إيلياهو هانافي بالقاهرة: من أقدم المعابد، وما زال يحتفظ بهيكله التاريخي.
كنيس بن عزرا بالقاهرة الجديدة: يُستخدم أحيانًا للاحتفالات الخاصة أو الزيارات التاريخية.
كنيس إلياهو هانافي بالإسكندرية وكنيس شلوما: يُستخدمان جزئيًا للاحتفالات الدينية ويستقبلان الباحثين والزوار.
معظم هذه المعابد تُستخدم جزئيًا فقط خلال الأعياد اليهودية مثل عيد الفصح وعيد المظال، ولا تُقام صلوات يومية منتظمة بسبب قلّة أعداد اليهود.
حارات اليهود
في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان هناك تركيز سكاني لليهود في مناطق محددة، أُطلق عليها اسم “حارة اليهود”، أهمها:
القاهرة القديمة:
حارة اليهود (باب اللوق – القاهرة القديمة): مركز اقتصادي واجتماعي يحتوي المحال التجارية وورش الحرف.
حي الجمالية وشارع عابدين: سكن اليهود فيه كمجتمع مترابط، مع معابد ومدارس.
الإسكندرية:
مناطق قرب محطة مصر ومركز المدينة القديمة، تضم معابد ومدارس ومراكز اجتماعية.
أسباب تركيز اليهود في هذه الحارات:
الحفاظ على الدين والعادات: وجود مجتمع صغير يسهل ممارسة الطقوس الدينية.
اللغة والثقافة المشتركة: تسهيل التواصل بين أفراد المجتمع.
الأنشطة الاقتصادية المشتركة: الأسواق والحرف المتخصصة.
الأمان النسبي: بعض الحارات كانت ملاذًا آمنًا خلال التوترات السياسية.
لم يكن الأمر عزلة كاملة، بل نمطًا طبيعيًا لتجمع مجتمع صغير يحافظ على هويته الدينية والثقافية والاقتصادية ضمن نسيج المدن المصرية.
الأنشطة الاقتصادية والثقافية
كان اليهود المصريون نشطين في:
التجارة: خاصة الصاغة والأسواق الكبرى.
المهن المهنية: الطب والهندسة والمحاسبة.
الثقافة والفن: المسرح، السينما، والموسيقى، وما زالت آثار مساهماتهم الثقافية قائمة في التراث المصري.
اليوم، يشارك بعض اليهود في هذه المجالات بشكل محدود، محافظين على إرثهم التاريخي.
الحياة المعاصرة ودور اليهود في مصر
اليهود المصريون الحاليون يتركزون في القاهرة والإسكندرية، ومعظمهم كبار السن:
حافظوا على تراثهم الديني والثقافي من خلال المعابد والأرشيفات.
يشارك بعضهم في مشاريع اقتصادية أو تعليمية بشكل محدود.
بعض المعابد تُفتح للباحثين والزوار للاطلاع على تاريخ الجالية اليهودية في مصر.
بعبارة أخرى، اليهود في مصر اليوم أقلية رمزية وثقافية أكثر من كونهم قوة اقتصادية أو دينية، لكن إرثهم التاريخي جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصري.
خلاصة
إن التاريخ يفرض التمييز بين:
الوقائع التاريخية الموثقة: الهجرة، التأميم، الأحداث السياسية.
الشهادات الإعلامية الجزئية: تجارب الأفراد والشهادات التلفزيونية.
الاستنتاجات المعاصرة: التي يجب أن تبنى على دليل علمي راسخ.
مصر عبر تاريخها نموذج للتعايش بين الأديان، وما جرى في منتصف القرن العشرين لا يمكن اختزاله في رواية واحدة. وبين الوثيقة والشهادة، تبقى الحقيقة مسؤولية الباحث والمهتم بالإنصاف والموضوعية.



