رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فلسفة العقوبة الإلهية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فلسفة العقوبة الإلهية

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن المتأمل في واقعنا يجد أن المعاصي والذنوب قد تسللت إلى تفاصيل حياتنا، وانتشرت المنكرات بأشكالها المختلفة في مجتمعاتنا حتى صار واقعنا ينذر بخطرٍ عظيم.

مجتمعاتنا غرقت في بحر المعاصي والذنوب، وهذا الغرق في بحر الآثام ليس له إلا ثمن واحد، وهو استحقاق العقوبات الربانية؛ فالله سبحانه وإن كان رحيماً، إلا أنه حكيمٌ يضع العقوبة في موضعها لتكون زجراً للنفوس، وتطهيراً للمجتمع، وتذكيراً لكل غافل.

​هذه العقوبات لا تقع عبثاً ولا تأتي عشوائياً، بل تخضع لقانون إلهي صارم وقاعدة ثابتة هي: (الجزاء من جنس العمل). والحديث هنا عن العقوبات ليس باباً لليأس، بل هو التشخيص الدقيق للداء الذي يسبق وصف الدواء الناجع؛ فالعقوبة قد تقع في الدنيا قبل الآخرة لتكون عبرة للأحياء، والتاريخ القرآني خير شاهدٍ على مصير من سلك هذا الطريق، حيث يقول الله عز وجل:

​{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].”

⚫ فلسفة العقوبة الإلهية وأنواعها.

– العقوبة في المفهوم الإسلامي ليست تشفياً –تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً– بل هي “تأديب ورحمة” في صورة “ابتلاء”.

● أولاً: العقوبات الكونية (القدرية)

وهي التي تقع في الأنفس والأموال والأرزاق، وقد تأتي في صورة كوارث أو أوبئة.

يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].

وفي السنة النبوية، يبين النبي ﷺ أن هذه العقوبات قد تكون بسبب انتشار المعاصي؛ روى ابن ماجه في سننه من حديث ابن عمر رضي اللهُ عنهما: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» <[ سنن ابن ماجه (2/ 370) برقم 3246]،وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح ص432 برقم (4019)،.>

فبيَّن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعضًا من العقوبات التي تصاب بها أمته في آخر الزمان، إذا وقعوا في المحرمات وجاهروا بها.

والذي يتأمل في أحوال الناس في هذه الأيام يجد أن العقوبات قد حصلت بالفعل ، فما النكبات المالية التي وقعت وتقع على الدول والأفراد، وانتشار الأمراض الخطيرة في الإنسان والحيوان، وغلاء الأسعار، ونزع البركات، وقلة الأمطار والجو الخانق والغبار، والزلازل، والبراكين، والآثار الناتجة عن إشعال الحروب والفتن هنا وهناك، إلا دليل واضح وبرهان ساطع لمن تدبر وعقل، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير (30)} [الشورى]، وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (41)} [الروم]،

● ثانياً: العقوبات القلبية (أشد أنواع العقوبات)

وهي التي تصيب الروح، فتورثها قسوةً أو وحشةً أو طبعاً على القلب، وهي أخطر من عقوبات الأبدان.

يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

• الحرمان من لذة الطاعة: حين يجد العبد نفسه يواظب على الصورة الظاهرة للعبادة دون روح، فذلك نوع من العقوبة نتيجة إعراضه.

⚫ الفرق بين الابتلاء والعقوبة.

كيف يعرف العبد هل ما أصابه هو عقوبة على ذنب أم ابتلاء لرفع الدرجات؟

● ١- حال العبد قبل وبعد المصيبة

• إذا كانت المصيبة قد قربتك من الله، وأورثتك انكساراً وتوبة، فهي “ابتلاء رحمة” أو “تمحيص”.

• إذا أورثتك سخطاً، وازداد العبد بها بعداً، فهي “عقوبة ونكال”.

عن أنس بن مالك قال النبي ﷺ: «إن عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإن اللهَ – عز وجل – إذا أَحَبَّ قومًا ابتلاهم ؛ فمن رَضِيَ فله الرِّضَى، ومن سَخِطَ فله السُّخْطُ»< حسن : أخرجه الترمذي بعد حديث (2396)، وابن ماجه (4031)>

● ٢- نوع الذنب والمقام

الأنبياء وهم أطهر الخلق ابتلوا بأشد البلايا، لكن بلاؤهم “رفع درجات”، أما العصاة فبلاؤهم “زجر وكفارات”.

يقول الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: 37].

⚫ الأسباب الموجبة للعقوبات الإلهية

لا تنزل عقوبة إلا بذنب، ولا ترفع إلا بتوبة، وهذا أصل شرعي أصيل.

● ١- انتشار الظلم والجور .

– ومن أسبابِ العقوباتِ كذلك، انتشارُ الظلمِ في المجتمع، وغيابُ العدلِ فيه، فيأكلُ القويُ الضعيف، وينهبُ الغنيُ الفقير، ويتسلطُ صاحبُ الجاهِ والمكانة على المسالِم المسكين، وحين تسودُ هذه الأخلاقُ الذميمة، والخصالُ المنكرة، ولا تجدُ من يقولُ للظالِم: أنتَ ظالم،وللفاسد انت فاسد فقد آن أوانُ العقوبة، واقتربَ أجلُها لو كانوا يفقهون.

فعند الترمذي وأبي داود قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الناسَ إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه)).

– الظلم مؤذن بخراب العمران، وهو من أسرع الذنوب عقوبة في الدنيا قبل الآخرة.

يقول الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: 59].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ» (أخرجه مسلم رقم 2578).

● ٢ – المجاهرة بالمعاصي والاستخفاف بالحدود

ليس الذنب وحده هو السبب، بل الاستعلاء به والمجاهرة التي تكسر حاجز الهيبة في المجتمع.

يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].

● ٣ – ترك شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حين يسكت الصالحون عن باطل المفسدين، تعم العقوبة الجميع.

وتستفحلُ الفاحشة، وتعمُ الرذيلة، ويستطيلُ الشر، وتخربُ البلادُ والعباد ،

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»

<أخرجه الترمذي (2169)، وأحمد (23301)، والبيهقي (20224)>

● ٤- الامتناع عن تأديه الزكاة.

– وما أكثر الذين يمتنعون عن الزكاة أو يتحايلون على عدم إخراجها، وقد جاء في الحديث السابق ذكره قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (7) [سبق تخريجه].

● قال الشاعر:

وأحسبُ الناسَ لو أَعْطَوا زكاتَهمُ

لَمَا رأيتَ بَني الإعدامِ شاكينا

و لو قامَ أثرياءُ المسلمين بأدائها، لما وجدتَ بين المسلمين فقيرا ولا محتاجا .

● ٥ – فشو الربا وانتشارُه.

– ومن أسبابِ العقوبات، فشو الربا وانتشارُه، حيث تعاطاه الكثيرون، وأَلِفه الأكثرون، وقل له الناكرون، واللهُ يقول: يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ويقول سبحانه: يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم

والعالمُ الإسلامي اليوم، يعاني الأزماتِ الاقتصاديةَ الخانقة لتورطهِ بتعاطي الربا، وإعراضِه عن الشرعِ المطهر، واستخفافِه بالوعيدِ الإلهي لأكلةِ الربا، ومدمنيه.

.أسبابُ العقوباتِ كثيرة، ، لكنْ في الإشارةِ ما يُغني عن العبارة، وما لا يُدرك كلُه، لا يتُرك جُله.

⚫ أسباب رفع العقوبات (مفاتيح الفرج) .

إن رحمة الله سبقت غضبه، وقد جعل سبحانه أبواباً إذا طرقها العباد رفعت عنهم البلايا.

” فإن سألت عن الدواء النافع والعلاج الناجع، فإليك بعضًا مما دل عليه القرآن والسنة: من الأسباب الواقية من هذه الشرور.

⚫ ١- الإيمان بالله وبوعده، وقد وعد سبحانه أن أي أمة آمنت بالله حق الإيمان ولم تفرط بهذا الإيمان الذي هو سر قوتها ونصْرِها على أعدائها، وَعَدَها بالنجاة وقت الأزمات، فقال سبحانه: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس:103].

⚫ ٢- التوبة الصادقة النصوح والإقلاع عن المعاصي .

– التوبة ليست مجرد كلمة، بل هي تغيير للمسار ورد للحقوق.

يقول تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ [طه: 82].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن كَانَتْ له مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أَوْ شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ له حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عليه.

وفي روايه

فإنْ لَمْ يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخِيهِ فَطُرِحَتْ عليه».<أخرجه البخاري (6534)>

قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون (96)} [الأعراف].

● قال بعض السلف: «لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طريقها بالمعاصي».

● قال الشاعر:

نحنُ ندعُو الإلَهَ فيِ كلِّ كربٍ

ثمَّ ننساهُ عِنْدَ كَشْفِ الكروبِ

كيفَ نرجُو إجابةً لدعاءٍ

قدْ سدَدْنَا طريقَهَا بالذنوبِ

● قال علي رضي اللهُ عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة».

وقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (31)} [النور: 31].

● قال أبو العتاهية:

لَهَوْنا لعمرُ اللَّهِ حتى تتابَعتْ

ذنوبٌ على آثارهن ذنوبُ

فيا ليتَ أن اللَّهَ يغفرُ ما مضَى

ويَأذَنُ في توباتِنَا فنتوبُ

⚫٣- الإصلاحُ والدعوةُ إلى الله؛ ومحاربة الفساد؛ قال سبحانه: ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [هود:116-117]، وتدبروا معي: قال الله [مصلحون] ولم يقل [صالحون]، فالمطلوب منا أيها الإخوة الكرام الصلاح والإصلاح، ولا يكفي الصلاح لدفع العقوبات بدون إصلاح، فالواجب علينا جميعا أن نسعى جهدنا في صلاح أنفسنا وإصلاح غيرنا وفق هدي قدوة الصالحين المصلحين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

⚫ ٤ – البعد عن الغفلة، وعدم الأمن من مكر الله، وعدم السير وراء اللهو والعبث، وذلك يكون بالثبات على طاعة الله؛ قال سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف:95-99]. ويقول سبحانه مبينا أن الغفلة والنسيان سبب من أسباب العقوبة: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام:44] يقول التابعي المفسر قتادة – رحمه الله -: بغت القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغِرّتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر إلا القوم الفاسقون.

⚫ ٥ – الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ يقول – جل وعلا -: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾[الأعراف:165]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : [وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ] صحيح سنن الترمذي للألباني، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : [مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا! فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا] رواه البخاري.

فلنحيي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حتى ننجو جميعا؛ نحييها في بيوتنا وأعمالنا وأسواقنا وفي حياتنا كلها، ولنقف صفاً واحداً ضد من يريد خرق سفينة مجتمعنا، ولنساند الجهات الرسمية في ذلك.

⚫ ٦ – الاستغفار الصادق واللجوء إلى الله .

– الاستغفار هو “الأمان” الذي بقي لأهل الأرض بعد رحيل النبي ﷺ.

يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].

قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار؛ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار.

والرسول صلى الله عليه وسلم لما سألته زوجه – رضي الله عنها – فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: [نعم، إذا كثر الخبث]، والخبث هو كل ما يغضب الله من المعاصي والموبقات. رواه البخاري.

• الاستغفار الجماعي:

حين تستغفر الأمة بصدق، ينكشف الغم.

وقد حكى الله عن قوم يونس كيف رفع عنهم العذاب حين آمنوا وضجوا بالاستغفار.

يقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [يونس: 98].

إن ” كثرة الاستغفار سبب للإمداد بالأمطار والأموال والبنين ورغد العيش، قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)} [نوح].

● قال الفضيل بن عياض: «استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين».

روى مسلم في صحيحه من حديث الأغر المزني رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ»<رواه مسلم ص 1083، رقم (2702)] >، فإذا كان هذا حال سيد الأولين والآخرين، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بنا نحن المذنبين المقصرين؟!

⚫ ٧- البعد عن المال الحرام، ومن أعظمه: الربا الحرام الذي هو حرب على اللَّه ورسوله، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون (279)} [البقرة].

● وللأسف: إن كثيرًا من الناس يُودِعون أموالهم في هذه البنوك، ويأخذون عليها ربا يسمونه فوائد، أو يقترضون بزيادة ربوية، أو يشترون ويبيعون بأسهم البنوك الربوية.

● روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم (51)} [المؤمنون]، وَقَالَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]؛ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» < رواه مسلم ص 391، برقم (1015)].>

• فبيَّن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن أكل المال الحرام مانع من قبول الدعاء.

⚫ ٨ – الابتعاد عن الشبهات ، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ: أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ؟» <خرجه البخاري [ص 393، برقم (2083)].>

● قال ابن المبارك: «لأن أرد درهمًا واحدًا من شبهة أحب إليّ من أن أتصدق بمئة ألف.

● وقال عمر: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام».

● قال بعض أهل العلم: إذا اشتبه عليك شيء هل هو من الحلال أو من الحرام فانظر إلى ثمرته ونتيجته، فإن الخير يأتي بالخير والشر لا ينتج عنه إلا شرًّا.

● قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «استَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ» <البخاري في التاريخ (1/ 144 – 145) من حديث وابصة، وحسنه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (1/ 224) برقم 948].>

⚫ ٩- إخراج الزكاة في وقتها، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام.

● روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي اللهُ عنهما: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» <صحيح البخاري ص 25 برقم 8، وصحيح مسلم ص 40 برقم 16].>

● وكذلك الإنفاق على الفقراء والمساكين والأقارب والمحتاجين، فإن اللَّه يدفع بذلك شرورًا عظيمة، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» <جزء من حديث في سنن الترمذي ص 425، برقم 2616، قال الترمذي عنه: حديث حسن صحيح].>

● إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء، وتكون حجاباً من العقوبات.

يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 274].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الصدقةَ لتطفئُ غضبَ الربِّ، وتدفعُ ميتةَ السوءِ» <أخرجه الترمذي رقم 664، وحسنه الألباني) وأخرجه ابن شاهين في ((الترغيب في فضائل الأعمال)) (386) مطولاً، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (100) من حديث عبد الله بن مسعود>

قال العلماء: والمراد بميتة السوء أو مصارع السوء: ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ـ كالهدم والتردي والغرق والحرق، وأن يتخبطه الشيطان عند الموت، وأن يقتل في سبيل الله مدبرا. وقال بعضهم: هي موت الفجاءة. وقيل ميتة الشهرة ـ كالمصلوب.

ومثل ذلك: الحوادث.

⚫ ١٠ – الدعاء، والتضرع، والاستغاثة بالله؛ فإن الله لا يرد من سأله: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ [النمل:62]،

والدعاء هو العبادة، قال سبحانه: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر:60]، والله سبحانه قد بين أن سبب هلاك بعض الأمم أنها تركت التضرع واللجوء إلى إليه وقت الأزمات والحاجات، فقال سبحانه: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[الأنعام:43].

⚫ ١١- رفع الظلم، ونشر العدل، وإعطاء الحقوق إلى أهلها، جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود:102]. والأمم الماضية كانت تمارس أنواعاً من الظلم أعظمها وأخطرها الشرك بالله – عز وجل – فأهلكهم الله بظلمهم، فقال سبحانه: ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ [الكهف:59].

● خارطة الطريق للنجاة

– إن العقوبات الإلهية ليست قدراً لا يرد، بل هي جرس إنذار يعيدنا إلى جادة الصواب. إن الطريق إلى رفع العقوبة يبدأ من “الداخل”، من تغيير النفوس أولاً.

يقول الله تعالى في آية هي دستور التغيير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فعلى المسلم أن:

• يراقب قلبه وجوارحه.

• يحيي سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محيطه الصغير والكبير.

• يكثر من الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار.

🤲 نسأل الله أن يرفع عنا البلاء والمحن، ما ظهر منها وما بطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى