رئيس اتحادد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الصحابي الجليل مصعب بن عمير

رئيس اتحادد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الصحابي الجليل مصعب بن عمير

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مع قمر الدعوةِ في فجرِها، وسفيرُ الإسلامِ الأولُ، ومَن نزلَ الوحيُ يثني عليه من فوق سبعِ سماوات، إنه مصعب بن عمير بن هشام البدري القرشي العبدري -رضي الله عنه- ذلك الفتى المدلَّل الذي استبدلَ نعيمَ الدنيا بلذَّةِ الإيمان، فكان آيةً في الصدقِ والتضحيةِ والفداء.

● هذا الصحابي كان من السابقين إلى الإسلام ممن شهد بدرًا وأُحُدًا، وممن هاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة؛ أسلم على يديه العشرات، وكان أول سفير في الإسلام، ويقال: إنه أول من صلى الجمعة في المدينة

⚫ ١- النشأة والترف: مصعب بن عمير في كنف النعيم .

* نشأ مصعبُ بنُ عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار القرشي العبدري -رضي الله عنه- في أحضانِ الترفِ والجمال. كان فتى مكةَ المُدلَّل، وأعطرَ شبابها وأجملَهم، يلبسُ أحسنَ الثياب، ويتعطرُ بأفخرِ العطور،

وكان رقيق البَشَرة حسن اللِّمَّة ليس بالقصير ولا بالطويل , ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «ما رأيت بمكة أحداً أحسن لِمّةً ولا أرق حُلةً , ولا أنعم نعمةً من مصعب بن عمير” ..

كانت أمُّه خناس بنت مالك -امرأةٌ ثريَّةٌ ذاتُ جاهٍ ومهابةٍ- تُلبسه الحضرمي من النعال , وتكسوه أحسن ما يكون من الثياب ، حتى عمَّر قلبَه حبُّ التميُّز والظهور .

كان مصعبٌ -رضي الله عنه- مثالاً صارخاً لهذه الزينة، بمال أبويه، وجماله، وشبابه، فكان مستقبلُه يبدو كحلمٍ وردي لا يعكِّره شيء.

لكنَّ اللهَ -عز وجل- إذا أراد بعبدٍ خيراً، فتح له بابَ الهداية، وأطلعه على نور الحقيقة، فكان ما كان.

⚫ ٢- صحوة الضمير: رحلة البحث عن الحقيقة وإسلامه .

● اللقاء الأول مع نور النبوة

* في خضمِّ هذا النعيم المقيم، بدأت همساتُ الدعوةِ الجديدة تصلُ إلى مسامع مصعب بلغَه أنَّ محمداً -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى دينٍ جديدٍ في دار الأرقم بن أبي الأرقم.

لقد كان مصعبٌ صاحبَ فطرةٍ سليمة، وعقلٍ راجح، فلم يطمئنَّ إلى ما كان عليه قومُه من عبادةِ الأصنام. هكذا، وبقلبٍ واعٍ، قصَدَ مصعب دارَ الأرقم، وهناك دخل في الإسلام، وكان من السابقين الأولين .

لقد صدقَ فيه قول الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19].

● كتمان الإيمان وخوف الأم.

* لكنَّ هذا الفتى لم يعلن إسلامه في البداية، بل كتمه خوفاً من أمه وقومه. وكان يتردَّد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سراً .

وهذه المرحلةُ تذكِّرُنا بمرحلة الضعف الأولى التي مرَّ بها المسلمون، حيث كان المؤمنُ يخافُ على نفسه من بطشِ قومه.

قال ابن سعد في طبقاته: لما بلغ مصعب بن عمير أن رسول اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم، دخل عليه فأسلم وصدَّق به، وخرج فكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه؛ وكان يأتي إلى رسول اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سرًّا، وقد أسلم في السنوات الثلاث الأولى من الدعوة قبل أن يصدع النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالدعوة، لكن الواشين من المشركين – لما علموا بإسلامه -، سارعوا إلى الوشاية به عند أمه وقومه؛ قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواء} [النساء: 89]. فغضبوا عليه وحبسوه وأوثقوه، فلم يزل محبوسًا حتى فرَّ بدينه وهاجر إلى الحبشة 📚 الطبقات .

⚫ ٣- الامتحان الأعظم: بين حب الأم وحب الله .

* كانت أمُّ مصعب أقسى وأعنفَ أم في تلك الفترة. لمَّا عَلِمَت بإسلامه، لم تَكُن تلك الأمُّ الحنون التي دَلَّلته، بل تحوَّلت إلى وحشٍ كاسر.

حبسته في غرفةٍ مظلمةٍ ضيِّقة، وقيَّدت حركته، وأخذت تُعذِّبه هو وأخواله ليرجع عن دينه.

لم تكن تألو جهداً في إكراهه، تارةً بالترغيب وتارةً بالترهيب.

تقول الروايات إنها كانت تُدخل عليه الخدم فيضربونه حتى يسيل الدم من كل موضعٍ بجسده، ثم يُترَك ليتعافى ثم يُعاد تعذيبه.

واستمرَّ هذا الحال فترة ، لقد مرَّ مصعبٌ بقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 8].

● الصمود أمام الافتتان .

* وصلت قسوة الأمِّ إلى مداها عندما أخرجته من محبسه ليكون عبرةً للناس.

أمرتْ خدمها أن يأخذوه إلى الأسواق، وأن يسحبوه كما تُسحب الخراف، وأن يُجلَدَ أمام أعين المشركين وأصدقائه .

لكن مصعباً كان يردِّد في نفسه ما أخبر الله به عن المؤمنين الصادقين:

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207].

لقد اشترى مصعبٌ نفسَه من الله، فكان ثمناً لها أن يهونَ عليه كلُّ هذا العذاب.

● كان مصعب بن عمير فتى مكة المدلَّل، وكانت أمه من أغنى أهل مكة: تكسوه أحسن الثياب، وأجمل اللباس، وكان أعطر أهل مكة؛ فلما أسلم انخلع من ذلك كله، وأصابه من التعذيب والبلاء ما غيَّر لونه، وأنهك جسمه؛ روى البخاري في صحيحه من حديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رضي اللهُ عنه قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، ِ قُلْنَا لَهُ: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَاسِهِ، فَيُشقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ؛ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»

📚 البخاري .

● الهروب إلى الله .

* بعد سنواتٍ من الأسر والتعذيب، حانت الفرصة، فاستطاع مصعبٌ الفرار من سجنه والهجرة إلى الحبشة في الهجرة الأولى، تاركاً وراءه كلَّ شيء. ثم عاد إلى مكة فترةً وجيزة، لكنه هاجر مرةً أخرى إلى الحبشة . لقد كان من الذين شملهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُسْلِمُ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». وَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُؤْمِنُ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مَنْ أَمِنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ فَاجْتَنَبَهُ». 📚 أخرجه البخاري باختلاف يسير، ومسلم من حديث عبد الله بن عمر

● آخر مناجاته مع أمه

* هذا الموقف الإنساني الرقيق من مصعب مع أمه سيظل خالداً قبل أن يهاجر ويستشهد، وقف على أمه التي عذبته وأخرجته، فقبَّل يديها، وقال لها: «يَا أُمَّاهُ، إِنِّي لَكَ نَاصِحٌ، وَعَلَيْكَ شَفُوقٌ، فَاشْهَدِي أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». فقالت بكل كبر: «قَسَمًا بِالثَّوَاقِبِ لَا أَدْخُلُ فِي دِينِكَ، فَيُزْرَى بِعَقْلِي، وَيُضَعَّفَ رَأْيِي». فتركها وانصرف .

لقد ضرب أروعَ الأمثلة في البرِّ مع المخالفة في الدين، وترك باب الأمل مفتوحاً لهدايتها، لكنها لم تشأ.

لقد كشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب الابن.

⚫ ٤ – السفير الأول: بناء الأمة وتغيير المجتمع .

● بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- لمصعب إلى المدينة .

* بعد بيعة العقبة الأولى، طلب الأنصار من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبعث معهم رجلاً يفقِّههم في الدين، ويقرئهم القرآن، ويدعو إلى الإسلام. فكان اختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- لمصعب بن عمير . «لقد اختاره من بين السابقين ليكون أوَّل سفيرٍ في الإسلام .

كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنّا وأكثر جاها، وأقرب من الرسول قرابة.

ولكن الرسول اختار مصعب الخير، وهو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة، ويلقي بين يديه مصير الاسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة، والمبشرين والغزاة، بعد حين من الزمان قريب،

وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجا »

📚 ينظر :

● قال ابن اسحاق: بعث رسول اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مصعب بن عمير مع النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى يفقِّه أهلها ويقرئهم القرآن، فكان منزله على أسعد بن زرارة وكان إنما يسمى بالمدينة: المقرئ؛ يقال: إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة وأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد ابن معاذ، وهما سيدا قومهما وكفى بذلك فخرًا وأثرًا في الإسلام

📚 ينظر : «أسد الغابة»، لابن الأثير .

● نزل مصعب على أسعد بن زرارة -رضي الله عنه-، وجعل يدعو الناس بحكمة ورفق. يقول البراء بن عازب -رضي الله عنه-:

«أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ». 📚 أخرجه البخاري

لقد كانت هذه أولى ثمار هجرته، أن يقرئ الناس كتاب الله، وهذا أشرف عمل.

● قصة إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير.

* أروعُ مثالٍ على دِقَّةِ مصعبٍ وحكمته كمربٍّ وداعية، قصَّةُ إسلام سيِّدي الأوس: أسيد بن حضير وسعد بن معاذ.

* دخل مصعبٌ وأسعد بن زرارة على قومهما في بستان، فجاء أسيد بن حضير -وكان سيداً من سادات الأوس- مغضباً، وفي يده حربة، وقال لمصعب: “ما جاء بكما إلينا؟ تُسَفِّهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كنتما في حياتكما” .

ولكن مصعباً، بكل هدوءٍ وثقة، قال له: “أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفِفْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ”. فوافق أسيد ووضع حربته وجلس.

« كان أسيد رجلا أريبا عاقلا. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره، فيدعوه أن يسمع لا غير.

فان اقتنع، تركه لاقتناعه و وان لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم، وتحول الى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّهنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.

وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي.

ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.

وتتغير مع مواقع الكلم، وتكتسي بجماله.!! »

📚 ينظر :

فتلا عليه مصعبٌ القرآن، وشرح له الإسلام، فما كان من أسيد إلا أن قال: “ما أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟” قالوا: “تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ إِلَى بَيْتِكَ فَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ” « فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه، ووقف يعلن أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله.

وسرى الخبر كالضوء.

وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع، وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة، وتمت باسلامهم النعمة، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: اذا كان أسيد بن حضير، وسعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة قد أسلموا، ففيم تخلفنا.؟ هيا الى مصعب، فلنؤمن معه، فانهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه.!!

لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير.

نجاحا هو له أهل، وبه جدير » 📚 ينظر :

ولما رأى قومُه إسلام سيدهم، أسلموا جميعاً، حتى قيل: “ما بقي دارٌ من دور الأنصار إلا ودخلها الإسلام في ذلك اليوم” .

لقد أثبت ” مصعب ” بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار.

فلقد فهم مصعب رسالته تماما وأداها على أكمل وجه .

* وروى البخاري في صحيحه من حديث البراء رضي اللهُ عنه قال: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلَالٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَاتُ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} فِي سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ

📚 البخاري .

⚫ ٥- التحوّل الكبير: من الترف إلى الزهد .

● صورة من زهده بعد الإسلام.

* بعد أن كان مصعبٌ أنعمَ أهل مكة حالاً، أصبح في المدينة مثالاً للزهد.

خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما ان بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا. ذلك أنهم رأوه.

يرتدي جلبابا مرقعا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل اسلامه، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وألقا وعطرا.

وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة، شاكرة محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال: ” لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله ” .

📚 ينظر :

⚫ ٦- البطولة والفداء: في بدر وأحد .

● حامل لواء المهاجرين.

* شهد مصعبٌ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزوة بدر، واللى بلاء حسنا.

● وفي معركة أحد والتى وقعت في العام الثالث من الهجرة النبوية،حيث كانت المعركة رهيبة، وشارك فيها مصعب بن عمير مشاركة الأبطال

واحتدم القتال،« ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين، لكن عملهم هذا، سرعان ما يحوّل نصر المسلمين الى هزيمة.

ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، وتعمل فيهم على حين غرّة، السيوف الظامئة المجنونة حين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين ركزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه.

وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليا، وأطلق تكبيرة كالزئير، ومضى يجول ويتواثب.

وكل همه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وجرّد من ذاته جيشا بأسره.

أجل، ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير.

يد تحمل الراية في تقديس.

ويد تضرب بالسيف في عنفزان.

ولكن الأعداء يتكاثرون عليه، يريدون أن يعبروا فوق جثته الى حيث يلقون الرسول.»

📚 ينظر :

، وقد ثبت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لما فرَّ الناس، وأبلي بلاء المؤمنين الصابرين، وحمَّله المصطفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم راية المسلمين، وثبت مصعب بن عمير مع القلة المؤمنة التي أحاطت بالنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ودافعت المشركين عنه لما تخلخلت صفوف المسلمين، وأصبحت الجولة للمشركين، وبقي اللواء في يد مصعب بن عمير يمسكه بقوة وثبات ويدافع عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

-وأقبل ابن قمئة – عليه من اللَّه ما يستحق – فشدَّ على مصعب بن عمير، فضرب يده اليمنى فقطعها، ومصعب يردد قول الحق سبحانه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين} [آل عمران].ثم أخذ اللواء بيده اليسرى حتى لا يقع، فضرب ابن قمئه يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه إلى صدره، ووقع مصعب بن عمير شهيدًا مضرَّجًا بدمائه، لقد كان يؤدِّي حقَّ الشكر لله على نعمة الإسلام، بأن يضرب في سبيله حتى آخر رمق. «لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الخاتم في حياة مصعب العظيم.

يقول ابن سعد: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال: [حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل.

وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمّه بعضديه الى صدره وهو يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل.

ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء].

وقع مصعب.

وسقط اللواء.!!

وقع حلية الشهادة، وكوكب الشهداء.!!

وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والايمان.

كان يظن أنه اذا سقط، فسيصبح طريق القتلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين والحماة.

ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل)

هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها، ويكملها، ويجعلها، قرآنا يتلى.»📚 ينظر :

«ان مصعب أتاه سهم فخر صريعا شهيداً رضي الله عنه ، فوقف عليه النبي فقال «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

فلما انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَة، تلَقَته حمنة بِنْتُ جَحْشٍ زوجة مصعب، فَنَعَى لَهَا النَّاسُ أَخَاهَا عَبْدَ اللَّه، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا خَالُهَا حَمْزَةُ فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا زَوْجُهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فما استطاعت أن تملك نفسها فَصَاحَتْ وقالتْ واحزنا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : “إنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانِ”.

أفني العَزاءَ همومُ قلبٍ مُوجَعٍ ، ** فالحزَن بها ، فلَيس مثلُها مَفجُوعُ»

📚 ينظر :

● نزول الوحي يشهد له

* بعد استشهاده، نزلت فيه وفي إخوانه الشهداء آياتٌ تتلى إلى يوم القيامة:

قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. «وبعد انتهاء المعركة المريرة، وجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا، وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها.

وعند جثمان مصعب، سالت دموع وفيّة غزيرة.📚 ينظر :

* روى البخاري في صحيحه من حديث أبي وائل قال: عُدْنَا خَبَّابًا فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَاخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً؛ فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَاسَهُ بَدَتْ رجلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أَنْ نُغَطِّيَ رَاسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ إِذخِرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا 📚 البخاري .

« وقف الرسول على جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه.

أجل .

وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي مفن بها وقال لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمّة منك ” ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة ” ؟!

وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال: ” ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة ” ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال: ” أيها الناس زوروهم، وأتوهم، وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم الى يوم القيامة، الا ردوا عليه السلام “.

السلام عليك يا مصعب.

السلام عليكم يا معشر الشهداء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.📚 ينظر :

● فارق مصعب بن عمير الدنيا شهيدًا لم يخلف وراءه شيئًا من متاع الدنيا، ترك المال والجاه والنعيم، وآثرما عند اللَّه، قال تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} [النحل: 96]؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة وأبي الدهماء أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للَّهِ عزَّ وجلَّ، إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» 📚 أحمد ، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.

⚫ ٧- مآثره ومكانته في الدنيا والآخرة

● في الدنيا:

* تكريم النبي -صلى الله عليه وسلم- له .

* لمَّا وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- على مصعبٍ مقتولاً، تذكَّر صورته في مكة، فقال:

«لَقَدْ رَأَيْتُ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ بِمَكَّةَ، وَمَا بِمَكَّةَ أَحَدٌ أَحْسَنَ لِمَّةً، وَلا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَخْبِطُ الآنَ فِي الْجَنَّةِ». وفي رواية: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يُغَذِّيَانِهِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَدَعاهُ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ».

● في الآخرة: أرواح الشهداء تسبقهم إلى الجنة

* نزلت في شهداء أحد -وكان مصعبٌ منهم- الآية الكريمة التي تبيِّن منزلتهم عند ربهم:

قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 169-170].

● مكانته عند الصحابة بعده

* كان الصحابة الكبار يعتبرون بمصعب.

فعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-، حين أُتي بطعامٍ وكان صائماً، قال:

«أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ، أُتِيَ بطَعَامٍ، وكانَ صَائِمًا، فَقالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وهو خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ في بُرْدَةٍ: إنْ غُطِّيَ رأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وإنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وأُرَاهُ قالَ: وقُتِلَ حَمْزةُ وهو خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا ما بُسِطَ، أوْ قالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا ما أُعْطِينَا، وقدْ خَشِينَا أنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ».

📚 أخرجه البخاري

هكذا كان الصحابة يخافون على أنفسهم من أن تكون حسناتهم قد عُجِّلت لهم في الدنيا، بينما ذهب مثل مصعب ولم يأخذ من الدنيا شيئاً.

⚫ ٨ – الدروس والعبر المستفادة من حياة مصعب بن عمير .

● أولاً: علو الهمة

كان مصعبٌ -رضي الله عنه- شاباً في ريعان شبابه، لكنه كان همَّته عالية، لم تشغله ملذات الدنيا عن طلب الحق. قال -صلى الله عليه وسلم-:

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: … وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ…» 📚 أخرجه البخاري ، ومسلم .

● ثانياً: تقديم محبة الله على محبة الوالدين

إنَّ طاعة الوالدين لا تكون في معصية الله.

لقد قدَّم مصعبٌ طاعة الله ورسوله على طاعة أمِّه، فكان قدوةً لكلِّ شابٍ يتعرض لضغوط أهله لترك دينه.

● ثالثاً: الصبر على البلاء في الدعوة إلى الله

صبر مصعبٌ على الحبس والضرب والجلد في الأسواق سنين، ولم يتزعزع إيمانه. وهذا درسٌ لكلِّ داعية أن يتحمَّل في سبيل دعوته.

أوذي مصعب بن عمير في ذات الله أذى عظيما ، وسلبت منه النعمة والحياة ، فما وهن لما أصابه في سبيل الله وماضعف وما استكان ، بل مضى يتحدى كل المغريات والتحديات مستعصماً بالله معتزاً بإسلامه وإيمانه..

فلما اشتد عليه البلاء هاجر إلى الحبشة، فعن ليلى بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت: لما اجتمعوا على الخروج، جاءنا مصعب بن عمير متسللا فاصطحبناه ، وهم يمشون على أقدامهم , وأنا على بعير, وكان مصعب بن عمير رقيق البَشَرِ, ولقد رأيت رجليه تقطران دما من الرقة , فرأيت عامر بن ربيعة خلع حذاءه فأعطاه, ولقد كنت أرى عامراً يَرِقُّ على مصعب بن عمير رِقَّةً ما يرقُّها على ولده وما معه دينار ولا درهم .

مَـــنْ كَــانَ مُرْتَــــدِيًا بِالعَقْــــلِ مُـؤْتَـزِرًا … بِالعِلْمِ مُلْتَفِعًا بِالفَضْلِ وَالأدَبِ

فَقَدْ حَوَى شَرَفَ الدُّنْيَا وَإِنْ صَفَرَتْ … مِنْ فضَّــةٍ فِيْهَا وَمِنْ ذَهَـــبِ

● رابعاً: الحكمة والرفق في الدعوة

* أسلوب مصعبٍ مع أسيد بن حضير كان مدرسةً في الدعوة: الرفق، والصبر على الأذى، وعدم الغضب، والبدء بالكلمة الطيبة.

● خامساً: الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها

كان مصعبٌ الغني المدلل، ثم أصبح الفقير الشهيد الذي لا يجد كفناً.

وهذا يعلِّمنا أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

قال سعد بْن أَبِي وقاص رضي الله عنه : ” كنا قوما يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رَسُول اللَّهِ فإذا أصابنا البلاء مررنا عَلَيْهِ فصبرنا، وَكَانَ مصعبُ بْن عمير أنعمَ غلامٍ بمكة، وأجوده حلة مع أبويه، ثُمَّ لقد رأيته جهد فِي الإسلام جهدا شديدا، حَتَّى لقد رأيت جلده يتحشف كما يتحشف جلد الحية “.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إنا لجلوس إذ طلع علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو .

قد يدْرك الشَّرفَ الْفَتى وَرِدَاؤُهُ … خَلِقٌ وجيب قَمِيصه مرقوع

أي شي وجده مصعب حتى يستبدل النعيم بالتقشف ، وأي متعة نالها بالجوع والجهد والنصب .. ذاكم هو الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب .. ذاكم هو اليقين إذا رسخ في القلوب .. ذاكم هو القرآن إذا فهمته العقول وذاقت حلاوته القلوب.. عندها تباع الدنيا ، ويزهد في النعيم وترخص الأنفس في ذات الله {وَمَا يُلقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}

يُعلِمُ مصعبُ الاجيالَ أنّ قيمةَ الإنسانِ ليست في ثيابٍ يلبسها ، أو شعرٍ يسرحه ، أو مركبٍ يفاخر به ، أو منصبٍ يقاتل من أجله.

يُعلِم مصعبُ الاجيالَ أن الحياة بزينتها وزخرفها، ونعيمها وترفها.. تُباع إذا كان الثمن الإسلام ، وترخص إذا كان العوض الجنة .

● سادساً: بر الوالدين حتى مع المخالفين

موقفه الرقيق مع أمه يدل على أن البر لا ينقطع بالخلاف في الدين، وأن الداعية لا ينبغي له أن يقطع صلة الرحم، بل يدعو بالتي هي أحسن.

● سابعا: الإخوة الإيمانية مقدمة على إخوة النسب .

* لما انتهت المعركة، رأى مصعبُ أخيه أسيراً، فقال مصعب لمُحْرِزٍ : اُشدُدْ يديك به، فإن له أُمّاً بمكة كثيرة المال. فقال له أخوه: هذه وصاتُك بي يا أخي؟ فقال مصعب : إنه أخي دونك!.. {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فكيف بمن يوالي ويعادي من أجل لعبةٍ أو منصبٍ أو لعاعة من الدنيا «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ».

هذه هي مدرسة مصعب بن عمير رضي الله عنه بدروسها وفصولها ، بحديثها وأحداثها ، بمواقفها وعبرها .. مدرسةٌ من مئات المدارس التي أسسها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ، أسسها بقوة العقيدة ورسوخ الإيمان، بثبات المبدأ والاعتزاز بالإسلام ، لو دخلنا هذه المدارس وسجلنا أبنائنا وبناتنا فيها لما رأينا الانهزامية والتبعية لكل ناعق ، ولما أصبح المال والمنصب والشهرة ثمناً للدين والقيم والأخلاق ..

شخصية مصعب بن عمير جديرةُ بأن تقص في كل بيت ومحضن ومدرسة .. بثاً للقدوات وترسيخا لمعاني الرجولة والتضحية وعلو الهمة ..

قف أيها التاريخُ سجل صفحةً ** غراءَ تنطقُ بالخلودِ الكاملِ

📚 ينظر :

● ثامنا : هذه هي مدرسة مصعب بن عمير رضي الله عنه بدروسها وفصولها ، بحديثها وأحداثها ، بمواقفها وعبرها .. مدرسةٌ من مئات المدارس التي أسسها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ، أسسها بقوة العقيدة ورسوخ الإيمان، بثبات المبدأ والاعتزاز بالإسلام ، لو دخلنا هذه المدارس وسجلنا أبنائنا وبناتنا فيها لما رأينا الانهزامية والتبعية لكل ناعق ، ولما أصبح المال والمنصب والشهرة ثمناً للدين والقيم والأخلاق ، شخصية مصعب بن عمير جديرةُ بأن تقص في كل بيت ومحضن ومدرسة .. بثاً للقدوات وترسيخا لمعاني الرجولة والتضحية وعلو الهمة ..

قف أيها التاريخُ سجل صفحةً ** غراءَ تنطقُ بالخلودِ الكاملِ

* رحم الله مصعبَ بن عمير، وأسكنه فسيح جناته. لقد كان مثالاً للشاب المؤمن الذي آثر الآخرة على الدنيا، فرفعه الله في الدنيا والآخرة. كان سفيراً ناجحاً، ومربياً حكيماً، ومجاهداً صادقاً، وشهيداً تقياً.

● رضي اللَّه عن مصعب، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته: مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى