كامل جميل مراد يكتب: سَكَتَ دَهرًا وَنطَقَ شُؤمًا

رسالةٌ تصلُني بشكلٍ مفاجئٍ من صديقٍ لم أسمع صوته منذ سنوات، يخترق صمت الغياب ليس بتحيةٍ عابرةٍ، بل بحلمٍ سيّئ رآه عنّي، تلك اللحظة التي يتحوّل فيها الهاتف من أداة اتّصال إلى عالمٍ من الأسئلة: ما الذي دفع صديقًا غائبًا منذ زمن إلى تجاوز كلّ الحدود في مساحة الصداقة ليرسل مثل هذه الرسالة؟
إنّها مفارقة عجيبة؛ فالشخص الذي اختار الصّمت لعدّة سنوات، يقرّر فجأة أن يتحدث بأكثر العبارات إثارةً للقلق، دون أيّ مراعاة للمشاعر والحدود التي بيننا؛ فمن المعروف أن هناك حدود غير مرئية تحكم طبيعة التواصل بين الأصدقاء هذه الحدود تختلف باختلاف درجة القرب والتّواصل المستمر، فالصديق الحميم الذي تشاركه همومك اليومية قد يكون من الطبيعي أن يخبرك بحلم مزعج رآه عنك، أمّا الشخص الذي يظهر كل بضع سنوات فجأةً بحلمه السيئ، فإنّه ليس من المنطق أن يُأخذ كلامه باهتمام.
هنا تبرز أهمية “ثقافة حدود الصداقة” في العلاقات، فكلّ علاقة لها مساحة شخصيّة خاصّة، ودرجة من الحميميّة التي تنمو مع الوقت والتّفاعل المستمرّ، فتجاوز هذه الدرجات فجأة يشبه دخول منزل من النافذة بدلًا من الباب؛ حتى لو كان الدخول بنيّة حسنة.
ما يدفع الصديق لإخبار صديقه بحلم سيئ عنه هو التعبير عن القلق، فالحلم المزعج يترك أثرًا في نفس الحالم؛ مما يدفعه للطمأنة عمّن حلم بهم أنهم بخير، لكن السؤال الأهم: هل من الحكمة والمحبة أن نُحمِّل الصديق همومَ أحلامنا؟
في وجهة نظري أرى أن الاطمئنان على شخصٍ عزيزٍ لا يحتاج إلى إرهاقه بأحلامنا المزعجة، فمن الممكن أن يكون سؤالًا بسيطًا: “كيف حالك؟ ” بدلًا من “حلمت فيك حلمًا سيئًا” الفرق بين العبارتين هو الفرق بين الاهتمام الحقيقي الذي يضع مشاعر الآخر في عين الاعتبار، والتفريغ العاطفي الذي يبحث عن راحة شخصيّة دون اعتبار كامل لتأثير الكلمات على الصديق.
في النهاية، العلاقات الإنسانية تحتاج إلى توازن دقيق بين العفويّة واللباقة، بين الاهتمام والتّدخل، فليكن حلمنا جميعًا أن نتعلّم فنّ التّواصل الذي يطمئن دون أن يرهق، ويهتم دون أن يتدخّل، ويقرّب المسافات دون أن يخترق المساحات الشخصيّة، لأن أجمل العلاقات هي التي تنمو في المساحة الآمنة بين القرب والاحترام، حيث نكون قريبين بما يكفي للاهتمام، وبعيدين بما يكفي لاحترام خصوصيّة كلّ روح.



