تونس الوجهة القادمة للهيدروجين الاخضر: الموازنة بين السيادة وحماية المستثمرين خصوصا مع تعديلات الاكسيدICSID) ) 2022 

اسلام بن عبد الله قاضية دولية ومستشارة في القانون الدولي للاستثمار

 

المقدمة :

تشهد السياسة الطاقية تطوراً على المستوى المحلي والعالمي حيث أصبحت عقود الطاقة الركيزة الأساسية للاقتصاد لعل أهمها حالياً الهيدروجين الأخضر أو ما يسمى بوقود المستقبل كطاقة تحويلية قد يصبح استخدامها المصدر الأساسي للطاقة إبتداءًا من سنة 2030 تقريباً.

يشير مصطلح الهيدروجين الأخضر عموماً إلى الهيدروجين المنتج باستخدام الطاقة المتجددة أو الكهرباء المتجددة والذي يتوافق مع أعلى المعايير المتعلقة بالانبعاثات والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية وأهداف التنمية المستدامة.

يمكن الاشارة أيضاً إلى أن الهيدروجين الأخضر يضمن اليقين والشفافية للمستثمرين وأصحاب المصلحة حسب عبارات منظمة الهيدروجين الأخضر التي اعتبرت الشفافية معيار أساسي يتميز به الهيدروجين الأخضر .

تمثل تونس الجسر الطاقي القادم بين افريقيا واوروبا وتمثل منصة انتاج تنافسية عالميا بفضل موقعها الاستراتيجي وبنيتها التحتية لخطوط الغاز و توفر موارد الرياح و الشمس. وبالتالي يعد الاستثمار في الهيدروجين الاخضر اليوم بمثابة حجز مقعد في قيادة قطاع الطاقة للقرن القادم.

 

 

 

يمثل الهيدروجين الاخضر فرصة هامة لتونس و للتونسيين لمعالجة التحديات التي تواجه قطاع الطاقة و القطاع الاقتصادي حاليا و ذلك من خلال تحقيق نمو اقتصادي مستدام عبر التصنيع و خلق فرص عمل بفضل جذب الاستثمارات الاجنبية الى تونس مما يعزز مكانتها عالميا كمصدر للطاقة النظيفة و مركز للريادة في قطاع الطاقة التحويلية.

نلاحظ أنه مع التطور السريع لسوق الطاقة الناشئة على نطاق واسع مع الاعتماد على التكنولوجية الجديدة سيؤدي ذلك حتماً إلى زيادة النزاعات التي يفضل حلها عن طريق الية التحكيم الدولي كألية مثالية لما له من مزايا يوفرها للمستثمرين ويحمي مصالحهم بالأساس .

يمثل التحكيم ضمانة من ضمانات حماية حقوق المستثمرين و التي تتحقق فاعليتها اكثر و انجع مع تحقيق الضمانات الاخرى.

 

1 الوضوح والثبات التشريعي كركيزة للثقة :

يجب اعتماد اطار قانوني واضح و ثابت للتشجع على الاستثمار . وبالتالي يؤدي اعتماد مبدا الثبات التشريعي في ظل استراتيجية تونس 2050 الى ضمان عدم تأثر الجدوى الاقتصادية للمشروع بتقلبات القوانين مما يوفر يقينا قانونيا يمتد لعقود

بعبارة اخرى، يعد مبدا الثبات التشريعي حجر الزاوية في بناء ثقة المستثمر طويلة الامد و بالتالي يمكن القول ان اليقين القانوني هو المحرك الاول لراس المال و لدلك نجد ان الصياغة التعاقدية الحديثة تهدف الى ادراج بنود تضمن للمستثمر ان التغييرات التشريعية المفاجئة لن تؤثر سلبا على التوازن المالي للمشروع مما يحول التغييرات او المخاطر التشريعية ان صح التعبير الى بيئة مستقرة تضمن استمرارية المشروع .

2-حماية الاستثمارات من التحديات غير التجارية كالتأميم

تجدر الاشارة الى ان حق الدولة في التنظيم للمصلحة العامة هو حق سيادي. و لكن حتى يتحقق هدف الدولة للتشجيع على الاستثمار و جذب المستثمرين يجب ان يؤطر هدا الحق بضمانات ضد التأميم كضمان التعويض العادل و السريع و الفعال بحيث يعكس القيمة الحقيقية للمشروع و الارباح المستقبلية المتوقعة و هو ما يضمن حماية ملكية المستثمر.

3 -التحكيم كضمانة اساسية في مشروعات الهيدروجين الاخضر

تتمثل مشروعات الهيدروجين الاخضر في مشروعات لطاقات تحويلية معقدة و مكلفة و بالتالي تحتاج لخبرة و نجاعة و سرعة في فض النزاعات و يكون ذلك عبر اليات ضامنة لحماية المستثمرين لعل ابرزها التحكيم المعجل الدي ورد في تنقيحات قواعد المركز الدولي لفض النزاعات 2022 .

 

3-1 التحكيم المعجل : يضمن التحكيم المعجل الوارد في الفصول من 75 الى 84 من الفصل 12 من قواعد المركز الدولي لفض النزاعات صدور الاحكام في وقت قياسي و في اقل من سنة و هو ما لا يوفره التحكيم غير المعجل الدي تستغرق اجراءاته وقتا اطول بسبب غياب المسار المعجل .

تعد مواكبة سرعة الاستثمارات الطاقية امرا ضروريا و بالتالي فان تطبيق المواد 75 الى 84 من الفصل 12 من قواعد المركز الدولي لفض النزاعات يعد ضمانا لفض النزاعات عبر الية التحكيم المعجل مما يوفر للمستثمر حماية قضائية فورية تتناسب مع الطبيعة التقنية و الزمنية لمشاريع الهيدروجين .

 

 

 

3-2 : المادة 42 من اتفاقية واشنطن

تطبيقا للمادة 42 من اتفاقية واشنطن فان المحكمة تفصل في النزاع طبقا للقواعد القانونية التي يقرها طرفي النزاع، و اذا لم يتفق الطرفان على مثل هده المبادئ فان المحكمة تطبق قانون الدولة المتعاقدة الطرف في النزاع بما في ذلك القواعد المتعلقة بتنازع القوانين بالإضافة الى مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالموضوع.

توفر المادة 42 من اتفاقية واشنطن لعام 1965 اطارا فريدا يضمن العدالة المطلقة، حيث تتيح للهيئة التحكيمية تطبيق القانون الوطني التونسي جنبا الى جنب مع قواعد القانون الدولي. يضمن هدا المزيج ممارسة الدولة لسيادتها، ويمنح المستثمر في الوقت نفسه حماية دولية مما يرسخ مبدا المعاملة العادلة و المنصفة.

 

3-3: اعتماد مبدا المعاملة العادلة والمنصفة في الاحكام التحكيمية الدولية المتعلقة بالهيدروجين الاخضر

يمثل مبدا المعاملة العادلة والمنصفة التزام قانوني يمنع اي اجراء تعسفي ضد المستثمر الاجنبي ويشمل ذلك حماية التوقعات المشروعة للمستثمر وضمان الشفافية وتوفير بيئة قانونية خالية من الغموض وهو ما تعززه مجلة الاستثمار التونسية والاتفاقات الدولية التي صادقت عليها تونس.

 

 

يعد مبدا المعاملة العادلة والمنصفة الركيزة الاكثر استخداما في حماية المستثمرين ويظهر دلك في اتفاقيات التشجيع وحماية الاستثمارات التي من خلالها تلتزم الدولة بالشفافية وبمبدأ المساواة بين المستثمر التونسي والاجنبي وحماية التوقعات المشروعة للمستثمر.

وفي هدا الصدد لا يمكننا المرور دون الاشارة الى القضية الشهيرة عالميا Nextra Energie v spain والتي تعد حجر زاوية في فقه التحكيم الدولي المعاصر. تتعلق القضية بنزاع تمكن من خلاله المستثمر من الحصول على حماية قضائية دولية و تطبيق لمبدا المعاملة العادلة و المنصفة التي نصت عليه المادة 10 من ميثاق الطاقة ” يجب على كل طرف متعاقد ،وفقا لاحكام هدا الميثاق ،تهيئة ظروف مستقرة و عادلة و منصفة و شفافة للمستثمرين” .

اكدت هيئة التحكيم في هده القضية ان التعديلات التشريعية المفاجاة التي قامت بها اسبانيا ،و التي ادت الى تقويض التوقعات المشروعة للمستثمر و تغيير النظام التحفيزي للطاقة المتجددة ،تمثل خرقا لالتزامات الدولة الدولية مما استوجب تعويضا ضخما للمستثمر حوالي 290 مليون اورو و هو مبلغ باهظ جدا يعكس مدى اهمية و قوة مبدا المعاملة العادلة و المنصفة .

تعتمد تونس هذا المبدأ عبر ثلاثة مستويات قانونية وهو ما يمنح المستثمر حصانة ثلاثية تظهر على مستوى الاتفاقات الثنائية المتعلقة بحماية و تشجيع الاستثمار، مجلة الاستثمار التونسية التي تكرس مبدا المساواة في المعاملة بين المستثمر التونسي و الاجنبي، و الممارسات الفعلية في مذكرات التفاهم للهيدروجين التي من خلالها تقع الاشارة الى الالتزام بالمعايير الدولية لضمان جاذبية قطاع الهيدروجين الاخضر تحديدا.

تبرز جدية الدولة في العديد من الاتفاقيات كالاتفاقية مع شركة ACWA power السعودية لإنتاج الهيدروجين الاخضر سنة 2023 يليها مذكرات تفاهم مع مجمعات دولية كبرى شملت شركات نرويجية والمانية لتقييم الامكانيات التقنية في الجنوب التونسي .

تجدر الاشارة ايضا الى اتفاقيات 2024 و التي من الممكن ان نذكر منها الاتفاقية مع المجمع المكون من )Total Energies فرنسية) وverbund (نمساوية)، لإنتاج الهيدروجين الاخضر و تصديره لأوروبا عبر الانابيب .

بدأت الدولة التونسية في تحديد قطع اراض بعينها في مناطق مثل تطاوين، مدنين وقبلي وخصصتها لمشاريع الهيدروجين و هذا يعكس ارادة الدولة في خلق بيئة استثمارية ملموسة و محمية بقوة القانون. كما تطمح تونس لإنتاج 8.3 مليون طن من الهيدروجين الاخضر بحلول 20250 ولتنفيذ ذلك تحتاج الدولة لمساحات شاسعة.

الخاتمة:

يظل اليقين القانوني هو الضمانة الأسمى لتدفق الاستثمارات الكبرى في المشهد الطاقي العالمي المتسارع.

تقدم تونس اليوم بتشريعاتها المحدثة وممارساتها الميدانية و خصوصا لعام 2025، نموذجا متوازنا تمارس من خلاله الدولة سيادتها و تحمي حقوق المستثمرين للتشجيع على الاستثمار و النهوض بالاقتصاد.

يبرز التحكيم الدولي كحجر زاوية في بناء جسور الثقة، فهو ليس فقط وسيلة لفض النزاعات بل كذلك درع حمائي يضمن تنفيذ المعايير الدولية و قواعد (ICSID) على ارض الواقع.

تجدر الاشارة الى ان تفعيل الاليات التحكيمية يمنح لمشروعات الهيدروجين الاخضر حصانة قانونية مما يجعل تونس بيئة استثمارية خصبة و محمية بضمانات عالمية بقوة العدالة و اليقين القانوني .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى