رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن شهر رمضان هو شهر الإنتصارات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن شهر رمضان هو شهر الإنتصارات

بقلم / المفكرالعربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ,

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه ـأن شهر رمضان ليس فقط شهر صيام وقيام وتلاوة قرآن، بل هو أيضًا مدرسة الانتصار الكبرى، حيث تُختبر الإرادات، وتقوى النفوس، وتُصاغ العزائم صياغةً ربانية

هو شهر العزة والتمكين والنصر المبين.

فيه تتجلى معاني الإعداد الحقيقي للنفس البشرية، حيث يُربى المؤمن على الصبر وتحمل المشاق وضبط الغرائز، وهذه هي الروح التي يحتاجها المجاهد في ساحات الوغى. .

لقد شاءت حكمة الله تعالى أن تكون غزوة بدر الكبرى في يوم الجمعة 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، ليكون هذا اليوم “يوم الفرقان” الذي ميز الله فيه بين الحق والباطل.

ومنذ ذلك التاريخ، صار رمضان محطة فارقة في تاريخ الجهاد الإسلامي، شهدت معارك حاسمة من فتح مكة إلى القادسية، ومن عين جالوت إلى حطين، وصولاً إلى نصر أكتوبر المجيد في العاشر من رمضان .

⚫ لماذا كان رمضان شهر الفتوحات؟

سر اقتران الانتصارات برمضان

● التربية الإيمانية والجهادية:

– الصيام مدرسة روحية تعلم المجاهد كيف يضبط شهواته، ويصبر على الجوع والعطش، وهذا الإعداد المعنوي ينعكس على أدائه في المعركة.

● توحيد الكلمة:

– في رمضان تجتمع القلوب على طاعة الله، وتصفو النفوس من الأحقاد، فيكون ذلك سببًا في نصر الله كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

● استجابة الدعاء: للصائم دعوة لا ترد، وفي المعارك تختلط أصوات التكبير بالدعاء، فيمد الله جنوده بالنصر المؤزر.

⚫ رمضان شهر الانتصار على النفس:

– إن خير انتصار يحققه المسلم في شهر رمضان أن ينتصر على شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء؛ فيُرَوِّضها ويُهَذِّبها على قبول الخير وما فيه من النفع في العاجل والآجل، ويقلع عن الشهوات، والعادات السيئة، فيكون ممن فاز وسعد، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ – ١٠].فَالنَّفْسُ بِطَبِيعَتِهَا تَمِيلُ وَتَنْجَرِفُ لِلَّهَوَى، فَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى جِهَادٍ وَمُجَاهَدَةٍ، وَإِلَّا أَوْقَعَتِ الْإِنْسَانَ فِي الْهَلَاكِ،قال تعالى ﴿وما ابرئ نفسي

إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يُوسُفَ:53] لَذَا قَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحَفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))

ولذلك فإن الصيام يمنع الإنسان من الطعام والشراب والشهوة،وهذا حفظ للنفس لان النفس مجبولة عَلَى حُبِّ الهَوَى فَلِذَلِكَ احْتَاجَتْ إِلَى الْمُجَاهَدَةِ وَالْمُخَالَفَةِ”؛

فعن أَبِي هُرَيْرَةَ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ–، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَدَعُ شَهْوَتَهُ وطَعَامَهُ مِن أَجْلِي)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاس إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَه» <رواه ابن حبان>.

وصدق القائل:

إِنِّي بُلِيتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا … إِلا لأَجْلِ شَقَاوَتِي وَعَنَائِي.

إِبلَيْسَ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى … كَيْفَ الْخَلاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي

ولذلك جاء في

في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ((الصِّيَامُ جِنَةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امرُؤٌ صَائِمٌ)). فَالصِّيَامُ مَدْرَسَةٌ لِتَهْذِيبِ النَّفْسِ وَتَرْبِيَتِهَا، ومَدْرَسَةٌ لِلتَّرْبِيَةِ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ طَيِّبٍ

وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ غُزَاةٌ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: «مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ» <رواه البيهقي في “الزهد الكبير>.

● الِانْتِصَارُ عَلَى اللِّسَانِ وَآفَاتِهِ:

– الصِّيَامُ لَمْ يُشْرَعْ لِمَجْرَدِ تَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهْوَةِ وَإِنَّمَا شُرِعَ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ تَقْوَى اللَّهِ بِتَرْكِ الْكَذِبِ وَالْفُحْشِ وَالْبَذَاءَةِ وَحِفْظِ اللِّسَانِ،

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ، أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ، فَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَجِدُ لِسَانَهُ قَدْ هَدَمَهَا عَلَيْهِ كُلَّهَا، وَيَأْتِي بِسَيِّئَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَجِدُ لِسَانَهُ قَدْ هَدَمَهَا مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ.

قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَهْوَنُ الصِّيَامِ تَرْكُ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ. فَمِنَ العَجيبِ أَيُّهَا الأَخْيَارُ أَنْ يَصُومَ المُسْلِمُ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا يَصُومُ عَنْ أَكْلِ الْحَرَامِ وَلَا يَصُومُ عَنْ أَكْلِ حُقُوقِ النَّاسِ .

⚫ رمضان شهر الانتصارات.

– لم يكنْ شَهْرُ رَمَضانَ عِندَ سَلَفِنَا الصَّالِحِ شَهْرَ النَّومِ، والكسَلِ، بَلْ كَانَ شَهْرَ جِهَادٍ، ومُجَاهَدَةٍ، ودَعْوَةٍ، وعَمَلٍ، رَمَضانُ شَهْرٌ ضَحَّى فِيهِ المُسْلِمُونَ بِأَنْفُسِهِم، وأَمْوَالِهِم، وَوَقْتِهِم، وَصِحَّتِهِم، وَلَكُم أنْ تَسْأَلُوا التَّارِيخَ عَنِ الأَمْجَادِ الَّتِي تَحَقَّقَتْ فِي هَذَا الشَّهْرِ العَظِيمِ؛ لِأَنَّ الأُمَّةَ الَّتِي لَا تَقْرَأُ تَارِيخَهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْرِفَ حَاضِرَهَا، وَلَا أَنْ تَخَطِّطَ لْمُسْتَقْبَلِهَا، وَالمُتَأَمِّلُ فِي أَحْدَاثِ شَهْرِ رَمَضانَ عَبْرَ التَّارِيخِ الإِسْلَامِي سَيَجِدُ أُمُورًا عَجِيبَةً، هَذِهِ الْأُمُورُ لَيْسَتْ مُصَادَفَةً، وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمِقْدَارٍ، سَيَجِدُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَنتَقِلُونَ كَثِيرًا مِن مَرْحَلَةٍ إِلَى مَرْحَلَةٍ أُخْرَى فِي شَهْرِ رَمَضانَ، مِن ضَعْفٍ إِلَى قُوَّةٍ، وَمِن ذُلٍّ إِلَى عِزَّةٍ.

فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَقَّقَ الْمُسْلِمُونَ عِدَّةَ انْتِصَارَاتٍ كَانَتْ بِمَثَابَةِ الْمَحَطَّةِ الْفَارِقَةِ وَالنُّقْطَةِ الْفَاصِلَةِ فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأُولَى هَذِهِ الانْتِصَارَاتِ كَانَتْ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، يَوْمَ بَدْرٍ.

⚫ أولاً: موقعة بدر الكبرى (17 رمضان 2 هـ) – أم المعارك ويوم الفرقان

– تعد معركة بدر أول وأعظم انتصارات المسلمين، حيث التقى جيش الإسلام المكون من 313 مقاتلاً مع جيش قريش الجرار الذي تعدى الألف مقاتل.

– كان المسلمون يفتقرون إلى العدة والعتاد، لكنهم كانوا يملكون إيمانًا راسخًا ويقينًا صادقًا بوعد الله.

● إن فرض الصيام كان في السنة الثانية من الهجرة قبل معركة بدر بشهر، ووقعت بدر في شهر رمضان من هذه السنة بعد أن فُرض، وكأن الصيام شُرع مقدمةً بين يدي النصر، ولتكون النفوس قد تربت على الطاعة والصبر، وكان يوم بدر يوما فاصلا بين الحق والباطل ﴿ ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ – ١٢٦].

⚫ التأصيل القرآني ليوم بدر

● تحدث القران الكريم وسورة الأنفال عن موقعة بدر ، وقد تناولت قضايا عظيمة كالغنائم والخلاف حولها والتوجيه الإلهي للمؤمنين. قال تعالى :

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].

● النصر الإلهي رغم قلة العدد:

– كان النصر في بدر معجزة بكل المقاييس، حيث ألقى الله الرعب في قلوب المشركين وأمد المسلمين بالملائكة.

قال تعالى:

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].

وقال أيضًا:

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9].

فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَيُّهَا السَّادَةُ تَحَوَّلَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنَ الضُّعْفِ إِلَى الْقُوَّةِ، وَمِنَ الذُّلِّ إِلَى الْعِزَّةِ، وَمِنْ رُعَاةٍ لِلْإِبِلِ إِلَى زُعَمَاءِ وَقَادَةٍ لِلْبَشَرِ، وَارْتَفَعَتْ فِيهَا رَايَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَالِيَةً خَفَاقَةً، غَزْوَةٌ غَيَّرَتْ مَجْرَى التَّارِيخِ، غَزْوَةٌ أَرْسَتْ دَعَائِمَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ .

⚫ قتال الملائكه مع المؤمنين يوم بدر .

– لقد ثبت بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أن الملائكة نزلوا في موقعة بدر وقاتلوا مع النبي ﷺ قتالاً حقيقياً، ولم يكن أمرهم مقصوراً على التثبيت المعنوي فقط.

● الأدلة من القرآن الكريم:

1- قال الله تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الأنفال: 12].

قال القرطبيُّ: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي: بَشِّروهم بالنَّصرِ أو القتالِ معهمأو الحُضورِ معهم من غيرِ قِتالٍ)<يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (7/ 378)> من باب البركة والتأييد

والآية « خطاب، للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا، فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر»<تفسير السعدي)) (ص: 316)>

2- قال الله تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9].

3- قال الله تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 124-125].

● الأدلة من السنة النبوية:

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال يوم بدر: «هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ».< أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، رقم (3995).>

2- عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ عنهما قال: بينما رجلٌ من المُسلِمين يومَئذٍ يشتدُّ في أثَرِ رَجُلٍ من المشركين أمامَه إذ سمع ضربةً بالسَّوطِ فوقَه، وصوتَ الفارِسِ يقولُ: أَقْدِمْ حَيزُومُ! فنظَرَ إلى المشرِكِ أمامه، فخَرَّ مُستلقيًا، فنظر إليه، فإذا هو قد خُطِمَ أنفُه، وشُقَّ وَجهُه، كضربةِ السَّوطِ، فاخضَرَّ ذلك أجمَعَ، فجاء الأنصاريُّ، فحَدَّث بذلك رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ((صدَقْتَ، ذلك من مَدَدِ السَّماءِ الثَّالثةِ ))

<أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، رقم (1763)>

قال النَّوويُّ: (قَولُه ((أَقْدِمْ حَيزومُ))… وهو اسمُ فَرَسِ الملَكِ، وهو منادًى بحَذفِ حَرفِ النِّداءِ، أي: يا حَيزومُ) .<يُنظر: ((شرح مسلم)) (12/ 85).>

وقال أبو العَّباسِ القُرطبيُّ: (قَولُه: ((ذلك من مَدَدِ السَّماءِ الثَّالثةِ))، أي: من مَلائِكةِ السَّماءِ الثَّالثة التي أمِدُّوا بهم. وهذا يدُلُّ على أنَّهم كانوا أُمِدُّوا بمَلائِكةٍ مِن كُلِّ سماءٍ، ويدُلُّ هذا الخبرُ على أنَّ المَلائِكةَ قاتلت يومَئذٍ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ) .

<يُنظر: ((المفهم)) (3/ 577)>

3- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيراً، فقال العباس: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً، على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال ﷺ: «اسْكُتْ، فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ».

<صحيح ورواته ثقات معروفون : أخرجه أحمد (948)، وابن جرير الطبري في ((التاريخ)) (2/ 424)، واللفظ لهما، والبيهقي في ((دلائل النبوة))، باختلاف يسير، وأبو داود (2665)، مختصرا.>

4- عن أبي داود المازني رضي الله عنه – وكان شهد بدراً – قال: «إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي»

< رواه الإمام أحمد في مسنده بسند حسن رقم (23266) والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (3/56)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (67/277).>

«ويدل هذا الخبر على أن الملائكة قاتلت يومئذ، وهو قول أكثر أهل العلم».

⚫ فضل أهل بدر

● عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . <أخرجه البخاري (3983)، ومسلم (2494) > .

● وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ <

أخرجه ابن ماجه (160)، وأحمد (15820)، وابن أبي شيبة (37886) جميعا بلفظه، والبخاري (3992)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (4/ 277) (4412) باختلاف يسير.>.

⚫ ثانياً: فتح مكة (20 رمضان 8 هـ) – النصر الأعظم وتطهير بيت الله.

– كان فتح مكة أعظم فتح في تاريخ الإسلام، حيث دخل النبي ﷺ وأصحابه مكة فاتحين منتصرين، بعد أن نقضت قريش عهد الحديبية.

دخل الرسول ﷺ مكة متواضعًا لله، رأسه على راحلته وهو يقرأ سورة الفتح ويشكر الله على هذا النصر العظيم.

⚫ تحقيق وعد الله ورسوله .

* قال تعالى:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 1-3].

كَانَ فتح مكة مَحَطَّةً فَارِقَةً وَنُقْطَةً فَاصِلَةً فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ، عِندَمَا فَتَحَتْ جُيُوشُ الصَّحَابَةِ بِقِيَادَةِ الرَّسُولِ ﷺ مَكَّةَ، وَأَعْلَنُوا سُقُوطَ عَاصِمَةِ الشِّرْكِ وَالِاسْتِكْبَارِ الْجَاهِلِي الَّتِي طَالَمَا اسْتَغَلَّ الْمُشْرِكُونَ مَنْزِلَتَهَا وَفَضْلَهَا فِي التَّحْرِيضِ ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلَنُوا تَحْرِيرَ بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ مِنْ أَدْرَانِ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ، لِتَبْدَأَ مَرْحَلَةٌ جَدِيدةٌ فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ اتَّحَدَتْ فِيهَا بِلَادُ الْحَرَمَيْنِ، الْأَصْلُ وَالْمَهْجَرُ، وَأُعْلِنَ عَنْ قِيَامِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ عَلَى حُدُودٍ جَدِيدَةٍ

● القدوة في العفو والتسامح:

تجلى في هذا الفتح أعظم صور العفو عند المقدرة، حيث قال النبي ﷺ لأهل مكة وقد اجتمعوا أمامه خائفين:

قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» <رواه البيهقي في “السنن الكبرى>

وهذا العفو العظيم كان سببًا في دخول الناس في دين الله أفواجًا، مصداقًا لقوله تعالى:

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1-2].

، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم،يوم الفتح ب “يوم المرحمة” قال صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا»<رواه الْأُمَوِي في “المغازي”>،

وقد اقر النبي منهاجا للأمان فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ» <رواه مسلم>،كان ذلك في شهر المغفرة والرحمة والعفو، والأمن والأمان، والسلم والسلام.

⚫ ثالثاً: معركة حطين (25 رمضان 583 هـ)

– استعادة القدس وتحرير الأقصى

– قاد القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي جيوش المسلمين في هذه المعركة الفاصلة ضد الصليبيين، الذين كانوا يحتّلون بيت المقدس. استطاع صلاح الدين توحيد كلمة المسلمين بعد فرقتهم، واستعد للجهاد في سبيل الله، فكان النصر حليفه في رمضان.

● التخطيط المحكم والإعداد الروحي

● توحيد الصف: كان صلاح الدين حريصًا على جمع كلمة المسلمين قبل المواجهة، مدركًا أن التفرقة سبب الهزيمة، قال تعالى:

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

● استغلال الظروف الطبيعية:

– استخدم صلاح الدين أسلوبًا ذكيًا، حيث أشعل النيران في الأعشاب اليابسة ليزيد من عطش الصليبيين ويجبرهم على النزول للاشتباك، فكانت سهام المسلمين ونبالهم تصيبهم من كل حدب وصوب .

◾ نتائج المعركة

● تم فيها أسر ملك القدس “غي دي لوزينيان” وقتل “أرناط” الصليبي الغادر بيد صلاح الدين الأيوبي، ثأرًا لاعتداءاته على قوافل المسلمين.

● فتحت أبواب القدس بعدها مباشرة، ودخلها صلاح الدين في معزة ونصر من الله.

⚫ رابعاً: معركة عين جالوت شاهدة على صمود المصريين :

● الانتصار انقذ الحضارة الإسلامية من التتار .

* وقعت معركة عين جالوت في يوم الجمعة

(25 رمضان، عام٦٥٨هـ)

– انتصر المسلمون بقيادة المجاهد المؤمن سيف الدين قطز في المعركة الخالدة عين جالوت،

حيث قهرت الجيوش المصرية التتار الذين قتلوا ملايين البشر من المسلمين وغيرهم، وقضوا على دولة الخلافة في عام ٦٥٦هـ،

* كانت هذه المعركة من أشد المعارك خطرًا على الأمة الإسلامية، حيث اجتاح التتار بقيادة هولاكو بغداد وقتلوا الخليفة وأسقطوا الخلافة العباسية، وتوجهوا نحو الشام ومصر لإبادة ما تبقى من المسلمين.

هنا برز قائد المماليك سيف الدين قطز، الذي استطاع توحيد الصفوف ووقف بوجه هذا المد التتري الهمجي.

● الفتوى الشرعية:

لما احتاج قطز إلى المال لتجهيز الجيش، استفتى العز بن عبد السلام فأفتاه بأخذ أموال من الأغنياء بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وأن يقاتلوا العدو .

● الاستماتة في الدفاع عن الدين: وقف قطز خطيبًا في جنوده قائلاً: “يا إخوان المسلمين، إن التتار قد هجموا على بلاد الإسلام وفعلوا الأفاعيل، وقد بعثوا إلى رسلًا يطلبون منا الخضوع والذل، وإنما أتى الهلاك من التقصير في الجهاد، أتريدون أن تبقوا في الدعة والنعيم وإخوانكم يُقتلون وتُسبى حرمهم؟”.

لقد حرمت الشريعة عن النهي عن الفرار من الزحف

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ… وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ< رواه البخاري ومسلم >.

● وهنا تحرك المجاهدون وكانوا يرددون قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65].

قال ابن كثير: “ولما رأى قطز عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم، وكان قطز قد رأى في المنام وهو صغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وكان يحدث بهذا. [البداية والنهاية].

◾ نتائج المعركة

● كانت أول هزيمة للتتار على يد المسلمين، وتم فيها قتل قائد التتار “كتبغا”.

● استعاد المسلمون هيبتهم، وأثبتوا أن الأمة قادرة على النهوض رغم المحن.

إِنَّهُ شَهْرُ الْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ وَالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَالْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ .

● وَفِي رَمَضَانَ كَانَتْ مَعْرَكَةُ الْقَادِسِيَّةِ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،

● وَفِي رَمَضَانَ فُتِحَتْ بِلاَدُ الْأَنْدَلُسِ عَلَى يَدِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ.

⚫ خامساً: العاشر من رمضان عام (١٣٩٣هـ) السادس من أكتوبر ١٩٧٣م،– نصر العصر الحديث

– في العصر الحديث، أعادت مصر للأمة العربية والإسلامية كرامتها بعد هزيمة 1967، فَبَعْدَ أَنْ احْتَلَّ الْيَهُودُ سِينَاءَ الْحَبِيبَةَ وَالْجُولَانَ وَالضِّفَّةَ وَالْقُدْسَ وَغَزَّةَ فِي 5 يُنْيُو 1967م

عَبَرَ الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ قَنَاةَ السُّوَيْسِ وَحَطَّمَ خَطَّ بَارْلِيف، وَأَلْحَقَ الْهَزِيمَةَ بِالْقُوَّاتِ الصَّهْيُونِيَّةِ، فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ الْخَالِدَةِ الَّتِي سَطَرَهَا التَّارِيخُ فِي أَنْصَعِ صَفَحَاتِهِ بِأَحْرُفٍ مِنْ نُورٍ، فَفِي هَذَا الْيَوْمِ وَقَفَ التَّارِيخُ يَسْجِلُ مَوَاقِفَ أَبْطَالِ حَرْبِ أُكْتُوبَر الَّذِينَ تَدَفَّقُوا كَالسَّيْلِ الْعَرَمِ يَسْتَرِدُّونَ أَرْضَهُمْ، وَيَسْتَعِيدُونَ كَرَامَتَهُمْ وَمَجْدَهُمْ، فَهُمْ الَّذِينَ دَافَعُوا عَنْ أَرْضِهِم وَكَافَحُوا فِي سَبِيلِ تَطْهِيرِهَا وَإِعْزَازِهَا، بعد أن أَخَذُوا يَتَغَنَّوْنَ بِأُسْطُورَةِ جَيْشِهِم الَّذِي لَا يُقْهَر، لَكِنَّ مِصْرَ نَجَحَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ فِي إِعَادَةِ بِنَاءِ جَيْشِهَا وَجَهَّزَتْهُ بِالْعَتَادِ وَخِيرَةِ جُنُودِ الْأَرْضِ، وَبِالتَّخْطِيطِ الْجَيِّدِ مَعَ أَشِقَّائِهَا الْعَرَبِ وَبِإِرَادَةٍ صَلْبَةٍ قَوِيَّةٍ وَإِيمَانٍ قَوِيٍّ عَظِيمٍ وَبِخُطَّةٍ دَقِيقَةٍ مُحْكَمَةٍ فَاجَأَتْ إِسْرَائِيلَ وَالْعَالَمَ كُلَّهُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَانْطَلَقَتْ أَكْثَرُ مِنْ 220 طَائِرَةٍ تَدُكُّ خَطَّ بَارْلِيف الْحَصِين وَمَطَارَاتِ الْعَدُوِّ وَمَرَاكِزَ سَيْطَرَتِه،

وَفي نَفْسِ الوَقتِ سَقَطَتْ أَكثَرُ مِن عَشَرَةِ أَلفٍ وَخَمْسَمِائَةِ دَانَةٍ، وَتَعَالَتْ صَيحاتُ: اللَّهُ أَكبَرُ، وَتَمَّ عُبورُ القَنَاةِ وَاقْتِحَامُ حُصُونِ الْعَدُوِّ وَتَحْطِيمِهَا وَانْدَحَرَ الْعَدُوُّ، وَهُزِمَ شَرَّ هَزِيمَةٍ، وَرَجَعَتْ أَرْضُ سِيناءَ كَامِلَةً بَعْدَ ذَلكَ نَتيجَةً لِهَذِهِ الْحَرْبِ الْمَجِيدَةِ، واستردوا أرضهم، وحموا عرضهم، ورفعوا راية بلادهم عالية خفاقة.

فِي هَذا الشَّهرِ الْعَظِيمِ، شَهْرِ عِزَّةِ الْمُسلمِينَ وَالذِّلَّةِ لِأَعْدَاءِ الْحَقِّ أَعْدَاءِ الْدِينِ.

⚫ الإعداد المادي والمعنوي

● تم التخطيط لهذه الحرب في سرية تامة، مع الاعتماد على مبدأ المفاجأة والإيمان بأن النصر من عند الله.

● اختيار توقيت الحرب في رمضان كان له أثر نفسي كبير، حيث استشعر الجنود روح الجهاد والصبر التي تميز هذا الشهر.

⚫ تدمير خط بارليف وعبور القناة

● استطاع الجندي المصري أن يفعل المستحيل باقتحامه قناة السويس وتسلقه الساتر الترابي، مرددًا التكبير والتهليل، وكان هذا المشهد امتدادًا لروح بدر وحطين.

⚫ ربط النصر بالعقيدة

● قال الرئيس المصري أنور السادات في خطابه بعد الحرب: “هذا أول نصر في تاريخنا الحديث نرفع فيه رؤوسنا، ونشعر فيه أننا مسلمون مؤمنون”.

● لقد استطاع فيها الجيش المصري أن يدحر عدوه، وأن يسترد أرضه، ويحمي عرضه، ويفرض إرادته العادلة على الأرض المباركة، أرض سيناء الحبيبة، وانتصرت مصر في هذه المعركة انتصارا خُلِّد ذكراه في تاريخ الحروب المشروعة، ورغم قوة العدو وتفوقه في بعض المجالات إلا أن جيش مصر أعطى درسا في الشجاعة والقدرة على التخطيط والبسالة، صار بعد ذلك ضمن الدروس المنهجية في العلوم القتالية التي تدرس في أعرق الكليات العسكرية.

● خير أجناد الأرض :

– ما زال الجيش المصري على العهد باقيًا، وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها رغم كيد الكائدين، وأبواق المفسدين، مصداقًا لقول سيد المرسلين؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» <رواه ابن عبد الحكم في “فتوح مصر”> .

(الدروس والعبر من انتصارات رمضان) .

● رمضان شهر العودة إلى الله .

– كل هذه الانتصارات تؤكد حقيقة واحدة:

أن النصر لا يأتي بالكثرة ولا بالعدة فقط، بل بتقوى الله والإخلاص له. قال تعالى:

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].

● وحدة الأمة سر قوتها

في كل معركة من هذه المعارك، كان عامل الوحدة حاضرًا بقوة.

– ففي بدر اجتمع المهاجرون والأنصار،

– وفي أكتوبر وقفت الدول العربية كلها خلف مصر .

● الاستعداد والتخطيط مع التوكل على الله .

– لا يكفي الإيمان وحده دون إعداد، فقد أمرنا الله بالاستعداد:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

● الدعاء والابتهال

ففي المعارك كان الدعاء سلاح المؤمنين.

اللهم يا من نصرت أهل بدر وهم أذلة، وأيدتهم بملائكة من السماء مسومين، انصرنا على أنفسنا الأمارة بالسوء، وأعنا على جهاد أهوائنا، واجعلنا ممن انتصر في معركة الروح قبل معركة السلاح.

اللهم طهر ألسنتنا من الزور، وقلوبنا من الغل، ونفوسنا من الشح.

اللهم يا فاتح مكة، ويا من جعلت يوم الفتح يوم مرحمة، افتح لنا القلوب بالدعوة، وافتح لنا البلاد بالعدل، واجعلنا رحماء بيننا، أشداء على من عادى ديننا، وارزقنا عزةً لا تخالطها كبرياء، وتواضعاً لا يخالطه ذل.

اللهم يا ناصر صلاح الدين في حطين، ويا مؤيد قطز في عين جالوت، ويا من سددت رمي جندك في العاشر من رمضان؛ نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، أن تعيد لأمتنا عزها ومجدها.

اللهم اجمع شمل المسلمين، ووحد كلمتهم على الحق، وألف بين قلوبهم كما ألفت بين قلوب المهاجرين والأنصار.

اللهم احفظ مصر وجيشها وأهلها، واجعلها في كنفك وأمانك، واجعل جندها خيراً لأمتهم، ودرعاً وسيفاً للحق.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما فيه خير البلاد والعباد، وارزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه.

اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم داوِ جرحاهم، واشفِ مرضاهم، وتقبل شهداءهم، واربط على قلوبهم كما ربطت على قلوب أهل بدر. اللهم أرِنا في أعداء الدين يوماً أسوداً، ورد كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا قوي يا عزيز.

اللهم اجعلنا ممن يصوم رمضان إيماناً واحتساباً، وممن يقومه إيماناً واحتساباً، واجعلنا فيه من عتقائك من النار.

اللهم لا تخرجنا من هذا الشهر الكريم إلا وقد غفرت ذنوبنا، وسترت عيوبنا، ونصرتنا على شياطين الإنس والجن.

اللهم ارفع راية الإسلام عالية خفاقة، وأعد للمسجد الأقصى كرامته وطهارته، وارزقنا فيه صلاةً قبل الممات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى