رمضان في قطر: ملامح روحانية وهوية متجذّرة في وجدان المجتمع

بقلم الدكتورة – ميرفت ابراهيم
سفيرة السلام لدولة قطر
يحلّ شهر رمضان في قطر حاملاً معه أجواءً إيمانية خاصة تتجاوز حدود الصيام والعبادة إلى فضاء اجتماعي وثقافي متكامل، تتجلّى فيه ملامح الهوية القطرية الأصيلة. فالمواطن القطري يستقبل الشهر الكريم بفرح واضح واستعداد مبكر، حيث تتزيّن البيوت والشوارع بالفوانيس والإضاءات التراثية، وتنبض المجالس بروح اللقاء والتقارب، في مشهد يعكس عمق ارتباط المجتمع بقيم هذا الشهر المبارك.
وقبيل حلول رمضان، تنشط الحركة في الأسواق الشعبية والمجمعات التجارية، ويبرز مشهد التسوق في الأماكن التراثية مثل سوق واقف، حيث يحرص المواطنون على شراء احتياجاتهم من المواد الغذائية والتمور والتوابل، إضافة إلى مستلزمات الضيافة التي تعكس كرم البيت القطري. وتمثل هذه الاستعدادات طقسًا اجتماعيًا بحد ذاته، إذ تتشارك الأسر في التخطيط للشهر، وتُجدّد نية استثماره في العبادة وصلة الرحم.
يبدأ اليوم الرمضاني في قطر بأجواء السحور العائلية، حيث تجتمع الأسرة حول مائدة خفيفة قبل أذان الفجر، يغلب عليها الطابع الصحي والبساطة. ثم تمضي ساعات النهار بين العمل والالتزامات اليومية، في ظل أجواء من الهدوء والانضباط التي تميّز إيقاع الحياة خلال الشهر الفضيل. ومع اقتراب الغروب، تتجه الأنظار إلى لحظة الإفطار التي يعلنها صوت الأذان أو مدفع رمضان، فتجتمع العائلة في مشهد يومي يحمل معاني الامتنان والسكينة.
وتحظى المائدة الرمضانية القطرية بمكانة خاصة، إذ تعبّر عن امتداد تاريخي وثقافي غني. تتصدر أطباق مثل الهريس، المصنوع من القمح واللحم المطهو ببطء حتى يكتسب قوامه المتماسك، والثريد الذي يجمع خبز الرقاق بمرق اللحم والخضراوات، إضافة إلى أطباق الأرز المتنوعة والمشويات. أما الحلويات، فتأتي اللقيمات في مقدمة الأصناف الشعبية، إلى جانب أطباق أخرى تعكس تمازج المطبخ المحلي مع التأثيرات الخليجية والعربية. ولا تغيب التمور والعصائر التقليدية عن المائدة، بوصفها عنصرًا أساسيًا في الإفطار يمنح الصائم طاقة بعد ساعات الصوم.
وبعد الإفطار، تتجه العائلات إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، حيث تمتلئ بيوت الله بالمصلين في مشهد يعكس حيوية الحياة الروحية في المجتمع. وتمثل المجالس الرمضانية امتدادًا لهذه الأجواء، إذ يجتمع الأقارب والأصدقاء لتبادل الأحاديث وتعزيز أواصر القربى، في إطار من الاحترام والدفء الاجتماعي. كما تحرص العديد من الأسر على تنظيم دعوات إفطار تجمع أكثر من جيل حول مائدة واحدة، ما يعزز قيمة الترابط العائلي.
ويبرز في رمضان جانب التكافل الاجتماعي بوصفه سمة راسخة في المجتمع القطري. إذ تنتشر حملات التبرع، وموائد إفطار الصائم، والمبادرات الخيرية التي تنظمها المؤسسات والأفراد، تأكيدًا لقيم العطاء والتضامن. ويحرص الكثيرون على إخراج الزكاة والصدقات خلال هذا الشهر، انطلاقًا من إيمان عميق بأهمية التكافل وتحقيق العدالة الاجتماعية.
إن رمضان في قطر ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو تجربة متكاملة تعيد ترتيب أولويات الفرد والمجتمع، وتُعزّز معاني الصبر والانضباط والتراحم. ففي ظل تسارع الحياة المعاصرة، يمنح هذا الشهر مساحة للتأمل والعودة إلى الجذور، حيث تتلاقى الروحانية مع التقاليد، ويجتمع الماضي بالحاضر في صورة تنبض بالأصالة والتجدد. وبهذا المعنى، يظل رمضان في قطر موسمًا للصفاء الداخلي، ومناسبة لإحياء القيم التي تشكل أساس الهوية الوطنية، وتؤكد أن قوة المجتمع تنبع من تماسكه وروحه المتضامنة.



