الصوم .. ثورة الروح في عالم المادة

بقلم:عبد الله الثقافي الهندي البلنوري
فريضة الصوم من أعمق العبادات أثراً في النفس البشرية، خاصة في عصرنا الراهن الذي يطغى عليه الصخب المادي والاستهلاك المفرط. الصوم ليس مجرد انقطاع عن الطعام، بل هو “ثورة روحية” تعيد صياغة علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالعالم من حوله.
إليك مقال يفصل هذه الجوانب بلمسة معاصرة:
1. حكمة التشريع: لماذا نصوم؟
لم يشرع الله الصيام تعذيباً للنفس، بل تزكيةً لها. تكمن الحكمة في تحقيق التقوى، وهي القدرة على الضبط الذاتي. في زمن “الاستجابة الفورية” لكل رغبة، يأتي الصيام ليعلمنا كلمة “لا”.
التحرر من العبودية للمادة: الصيام يكسر حدة الشهوات التي تستعبد الإنسان.
المساواة والاجتماع: يوحد الأغنياء والفقراء في تجربة شعورية واحدة، مما يعزز التكافل الاجتماعي.
2. روحية الصوم: الاتصال لا الانقطاع
روحية الصوم تكمن في كونه عبادة “باطنة”. فبينما يمكن للناس رؤيتك تصلي أو تتصدق، لا يعلم صيامك إلا الله.
هو خلوة مع الخالق وسط ضجيج الحياة.
هو انتقال من “غذاء الجسد” إلى “غذاء الروح”، حيث تصفو النفس وتنكشف لها حقائق الإيمان التي يحجبها الانشغال بالملذات.
3. هل يؤثر الجوع والعطش سلبياً على الإنسان؟
هذا هو التساؤل الشائع، والحقيقة أن الجوع والعطش في الصيام هما “ألم إيجابي”:
بيولوجياً: أثبت العلم الحديث (مثل مفهوم “الأوتوفاجي” أو الالتهام الذاتي) أن الصيام ينظف الخلايا من السموم ويجدد النظام المناعي.
نفسياً: الشعور بالجوع يكسر الكبرياء ويذكر الإنسان بضعفه وافتقاره، مما يولد الرقة في القلب.
ملاحظة: التأثير السلبي (كالعصبية) ليس ناتجاً عن الصوم نفسه، بل عن “سلوك الصائم” الذي لم يستوعب روح العبادة أو بسبب العادات الغذائية الخاطئة عند الإفطار.
4. الصيام.. عادة الصالحين
عبر التاريخ، كان الصيام هو “مضمار السباق” للصالحين. لم يكتفوا بالفرض، بل اتخذوا من صيام النوافل (الاثنين والخميس، والأيام البيض) وسيلة لـ:
إبقاء القلب مستيقظاً.
الاستعداد الدائم للقاء الله.
ترويض النفس حتى تصبح طوع أمر صاحبها في الأزمات.
5. الثورة الروحية بالصوم
في العصر الراهن، نعيش “تخمة” في كل شيء: المعلومات، الأكل، الترفيه. الصوم هو ثورة ضد هذا الطغيان المادي.
يعيد تعريف السعادة: ليست في “الأخذ” بل في “الاستغناء”.
يمنح الصائم “قوة الإرادة” التي يفتقدها الكثيرون في مواجهة الإدمان السلوكي أو الرقمي.
6. خصائص الصوم الفريدة
يتميز الصوم عن بقية العبادات بخصائص تجعله تاجاً للطاعات:
الإضافة إلى الله: في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
خلوه من الرياء: لا يمكن التظاهر بالصيام أمام الناس بينما تأكل في خلوتك، لذا فهو مدرسة “الإخلاص”.
الصبر الجميل: يجمع الصوم أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقدار الله (الجوع والعطش).
كيف تستمر الروحية في حياة الإنسان بعد الصيام؟
التحدي الأكبر ليس في الصيام، بل في “ما بعد الصيام”. لضمان استمرارية هذا النور الروحي:
المداومة على القليل: صيام يوم واحد في الشهر كفيل بتذكير النفس بالعهد.
صيام الجوارح: الاستمرار في حفظ اللسان والعين عن المحرمات، فالصوم الحقيقي لا ينتهي بآذان المغرب.
تذكر “لذة الانتصار”: استحضار تلك القوة التي شعرت بها وأنت تقاوم شهواتك، واستخدامها كوقود لمواجهة تحديات الحياة اليومية.



