مؤتمر وطني يرسم معادلة “النمو الصامد” في مواجهة تداعيات الحرب

كتبته: علياء الهواري
في لحظة وطنية فارقة تتقاطع فيها الإرادة مع المسؤولية التاريخية، أُعلنت حزمة توصيات استراتيجية شاملة لتمكين الشباب الفلسطيني حتى عام 2030، ضمن مخرجات المؤتمر العلمي الدولي الثاني لتمكين الشباب الفلسطيني، الذي انعقد خلال الفترة 10–12 فبراير 2026 تحت شعار “تمكين واستدامة في مواجهة تداعيات الحرب”، بتنظيم مؤسسة تمكين للتدريب والتطوير.
المؤتمر لم يكن فعالية تقليدية عابرة، بل منصة سيادية لإعادة تعريف ملف الشباب، من كونه بندًا إغاثيًا مؤقتًا إلى مشروع وطني متكامل للسيادة الاقتصادية والمعرفية، قائم على التحول الرقمي، والريادة الخضراء، والتشغيل المستدام في بيئة عالية المخاطر.
من الإغاثة إلى السيادة
التوصيات دعت إلى اعتماد خطة الإنقاذ الوطني (2026–2030) كمرجعية سياسية عليا لقيادة الانتقال من نمط الاستجابة الطارئة إلى نموذج “السيادة والريادة”، بما يرسّخ استقلالية القرار الاقتصادي، ويضع الشباب في موقع الفاعل المنتج لا المتلقي للدعم.
وأكدت على أولوية “السيادة الرقمية” عبر ضمان الوصول العادل للتكنولوجيا، ومأسسة العمل الحر كقطاع اقتصادي رسمي يخضع لأطر تنظيمية واضحة، بما يفتح المجال أمام التشغيل عن بعد ويكسر قيود الجغرافيا والحصار.
كما شددت على مفهوم “الإعلام السيادي”، بوصفه أداة لحماية السردية الوطنية وتعزيز المشاركة المؤسسية للشباب في الفضاءين الرقمي والدولي، وتحويل الإعلام من ناقل للحدث إلى شريك في التنفيذ والمساءلة.
وفي البعد التنموي، أوصت بدعم الريادة الخضراء عبر مشاريع الأمن الغذائي والطاقة البديلة، باعتبارها ركيزة لتعزيز الصمود وتقليل التبعية، وربط الاقتصاد المحلي بمسارات التنمية المستدامة.
أدوات تشغيل عاجلة
على المستوى التنفيذي، أقرت التوصيات حزمة مبادرات عملية، أبرزها:
تفعيل صندوق دعم الشباب الفلسطيني ككيان وطني شامل لتمويل المشاريع الريادية والتشغيلية.
إطلاق “حاضنة تمكين التدريبية” عبر 2000 منحة تدريبية لتأهيل الشباب لسوق العمل المحلي والدولي، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والعمل عن بعد.
إطلاق مشروع “نهضة” القائم على مبدأ “المال مقابل العمل”، لتوفير فرص تشغيل سريعة تخفف من معدلات البطالة وتعزز الدخل المؤقت للأسر.
كما أُعلن عن تفعيل لجنة التنسيق بين الجامعات والقطاع الخاص برئاسة الدكتور مازن الشوكي، لردم الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، إلى جانب تشكيل فريق وطني لمتابعة تنفيذ الخطة الاستراتيجية برئاسة الدكتور محمد أبو دوابة، لضمان تكامل الجهود الأكاديمية والمجتمعية
وفي سياق الاستدامة، تقرر إعداد خارطة طريق تنفيذية بجدول زمني واضح برئاسة الدكتور أديب الأغا، مع تكليف لجنة برئاسة الدكتور شادي عويضة بمتابعة المخرجات مع صناع القرار لضمان ترجمتها إلى سياسات ميدانية.
كما أُعلن عن عقد المؤتمر الوطني للتدريب المهني والتقني برئاسة الدكتورة إيمان جابر، لإعادة الاعتبار للتعليم المهني وربطه بمسارات التنمية الوطنية.
أرقام تعكس التحول
المؤتمر شهد مشاركة 38,450 من الأكاديميين والباحثين وصنّاع القرار والشباب في الوطن والشتات، وتقديم 22 بحثًا علميًا محكّمًا، وتوثيق 132 مبادرة شبابية نوعية، بمشاركة 14 رئيس جامعة ومؤسسة أكاديمية، في حوار استراتيجي متعدد اللغات والتخصصات.
هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصاءات، بل مؤشرًا على حشد معرفي واسع يسعى لتحويل الزخم إلى سياسة عامة مستدامة، في ظل تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متصاعدة.
رسالة سياسية واقتصادية واضحة
المؤتمر وجّه رسالة مزدوجة: سياسيًا، أن تمكين الشباب أولوية وطنية في معركة البقاء والبناء؛ واقتصاديًا، أن “النمو الصامد” خيار استراتيجي لا ترف تنموي، يتطلب أدوات تمويل مرنة وصناديق طوارئ قادرة على العمل في البيئات عالية المخاطر.
من خطاب الصمود إلى صناعة السيادة، ينتقل ملف الشباب الفلسطيني إلى مرحلة جديدة عنوانها الشراكة المؤسسية، والرقمنة، والريادة الخضراء، والتشغيل المنتج.
وبين الرؤية والإجراءات، يبقى الاختبار الحقيقي في التنفيذ. فهنا لم تُكتب توصيات فقط، بل رُسمت ملامح مرحلة جديدة، وانتقلت الأمانة إلى جيل لا ينتظر الفرصة… بل يصنعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى