البصمة المفقودة.. لماذا لم يُقنع «توروب» جماهير «المارد الأحمر» حتى الآن؟

كتبت سوزان مرمر

بعد مرور ٤ أشهر على تولى الدنماركى يس توروب قيادة فريق كرة القدم بنادى الأهلى، لا تزال جماهير «القلعة الحمراء» تبحث عن ملامح واضحة لمشروع فنى يُخرج الفريق من الدوامة التى لازمته منذ بداية الموسم، لكن التغيير الذى انتظروه عقب رحيل الإسبانى خوسيه ريبيرو لم يتحقق بالصورة المأمولة، وسط حالة تذبذب فنى فتحت باب تساؤلات حول قدرة المدرب الدنماركى على إعادة الاتزان سريعًا إلى فريق ينافس دائمًا على كل البطولات.

 

منذ اليوم الأول، كانت التوقعات مرتفعة، وجماهير الأهلى لا تكتفى بتحقيق النتائج فقط، بل تطلب أداءً مقنعًا وشخصية واضحة فى الملعب. لكن مع مرور الوقت، لم يظهر ذلك التحول الجذرى الذى يبرر الرهان على «توروب».

بعد ٢٣ لقاء تحت قيادة «توروب»، فاز خلالها فى ١١ لقاء مقابل ٧ تعادلات و٥ خسائر، لا يمتلك الأهلى شكلًا فنيًا ثابتًا يمكن البناء عليه، فمرة يعتمد على الاستحواذ دون فاعلية، ومرة يلجأ للكرات الطويلة دون تنظيم، وأحيانًا يبدو الأداء عشوائيًا بلا هوية تكتيكية محددة. ٤ أشهر مدة كافية لتتضح الملامح، لكن الواقع يقول إن الخطة لا تزال بلا معالم واضحة.

 

أولى علامات عدم الاقتناع بـ«توروب» تتمثل فى غياب التطور الجماعى، فلا توجد بصمة واضحة فى الضغط، ولا فى التحولات الهجومية أو الدفاعية. الأهلى فى بعض المباريات يبدو متماسكًا، ثم يعود فى لقاءات أخرى إلى ارتكاب الأخطاء ذاتها التى عانى منها فى بداية الموسم، فى تذبذب يعكس أن العمل الفنى لم يصل بعد إلى مرحلة الاستقرار، وأن اللاعبين لم يستوعبوا، أو ربما لم تُنقل إليهم بوضوح، فلسفة محددة يمكن الالتزام بها.

 

النقطة الثانية تتعلق بعدم الاستخدام الأمثل لنجوم الفريق، فالأهلى يملك قائمة مدججة بالأسماء القادرة على صناعة الفارق، لكن كثرة التدوير، وتجربة أكثر من لاعب فى أكثر من مركز أضرت بالانسجام. رأينا لاعبين يتم تغيير أدوارهم باستمرار، ما أفقدهم الثبات والتركيز، فالتغيير المستمر فى المراكز، بدلًا من تثبيت الأدوار، خلق حالة من الارتباك داخل الملعب، وظهر كل لاعب كأنه لا يعرف واجباته بدقة، وهو أمر لا يليق بفريق يطمح للسيطرة المحلية والقارية.

 

كما أن الإصابات المتكررة لعبت دورًا فى تعقيد المشهد، بعد أن غاب لفترة طويلة تحت «توروب»، إمام عاشور، ثم «تريزيجيه» و«زيزو». صحيح أن ملف الإصابات ليس كله مسئولية المدرب، لكن غياب البدائل الجاهزة كشف عن ضعف فى التخطيط. عندما يغيب عنصر أساسى، لا يجد «توروب» الحل السريع، أو البديل القادر على تعويضه بنفس الكفاءة. كما أن معظم اللاعبين الذين كانت لهم حلول على دكة البدلاء رحلوا، على رأسهم أحمد عبدالقادر، ومحمد مجدى «أفشة»، والصاعد محمد عبدالله، ما انعكس على استقرار التشكيل، وعلى قدرة الفريق فى الحفاظ على نسق ثابت من مباراة لأخرى.

 

فى المباريات الكبيرة تحديدًا، لم ينجح الأهلى تحت قيادة «توروب» فى تقديم صورة مقنعة، وهى «البرواز» الأهم الذى يعول عليه جمهور الفريق فى تقييم أكبر للمدير الفنى، فاللقاءات الحاسمة هى المعيار الحقيقى لأى مدرب، لأنها تكشف عن الشخصية، والقدرة على إدارة التفاصيل الصغيرة. لكن الفريق فى تلك المواجهات افتقد الجرأة أحيانًا، وافتقد الحسم أحيانًا أخرى، لم تظهر الروح المعتادة التى تميز الأهلى فى المواعيد الكبرى، ولم نرَ قراءة تكتيكية حاسمة تمنحه الأفضلية.

 

أما ملف الصفقات، فهو أحد أكثر الملفات إثارة للجدل منذ بداية الموسم. كان واضحًا أن الفريق يحتاج إلى مهاجم صريح قادر على إنهاء الهجمات، لكن أزمة رأس الحربة استمرت دون حل جذرى، هذا الصداع الهجومى تسبب فى خلل واضح، فالفرص تُصنع أحيانًا لكن لا تُستغل بالكفاءة المطلوبة، وغياب المهاجم القناص انعكس سلبًا على النتائج وعلى ثقة الفريق أمام المرمى، بعدما لم يفرض «توروب» طلباته على إدارة الأهلى ليلجأ الفريق إلى ضم مروان عثمان، الذى شارك سريعًا لعدم وجود مهاجم فى الفريق، ثم ضم الأنجولى كامويش، الذى أثير حوله العديد من علامات الاستفهام.

 

إضافة إلى ذلك، لم تكن التعاقدات الجديدة كلها على قدر الطموح أو منسجمة مع طريقة اللعب المفترضة، وهناك إحساس بأن بعض الصفقات فُرضت على الجهاز الفنى، أو على الأقل لم تُوظف بالشكل الأمثل. أسماء مثل بلعمرى وهادى رياض وعمر الجزار لم تحصل على فرص حقيقية، أو لم تنجح فى إثبات وجودها، ما جعل الجماهير تتساءل عن جدوى ضمها من الأساس. وعندما لا تخدم الصفقات فلسفة واضحة، يصبح تأثيرها محدودًا مهما كانت قيمتها.

 

ومن بين القرارات التى أثارت الجدل، أيضًا، قناعات «توروب» الغريبة أحيانًا فى توظيف بعض اللاعبين، فما زال يصر على مشاركة أشرف بن شرقى فى الجناح الأيمن، و«كوكا» فى الجهة اليسرى، إلى جانب إبعاد محمد على بن رمضان لفترة كبيرة، رغم غياب إمام عاشور، ما أفقد اللاعب التونسى حساسية المباريات.

 

لا يمكن الحكم النهائى على تجربة «توروب» بعد ٤ أشهر فقط، لكن المؤكد أن مؤشرات الإقناع لم تظهر بعد بالشكل الكافى، والشعور بالغضب بدأ يتسلسل إلى جماهير الفريق، وأصبح المطلوب ليس فقط تحسين النتائج، بل تقديم مشروع واضح المعالم يُعيد الثقة لهم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى