جهود الدولة المصرية لحماية أبنائها من الأفكار المتطرفة ببناء الإنسان بجانب بناء المجتمع ومنعه من السقوط فى الفخ

إعداد : د/شيماء المتعب

 

في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتداخل فيه الأفكار، وتُفتح فيه الأبواب أمام كل ما هو ظاهر وخفي عبر وسائل الاتصال الحديثة، أصبحت معركة الوعي من أخطر المعارك التي تخوضها الدول للحفاظ على أمنها واستقرارها. فلم تعد التهديدات تقتصر على حدود جغرافية أو مواجهات تقليدية، بل امتدت لتستهدف العقول قبل الأوطان، وتسعى إلى اختراق الفكر قبل اختراق الأرض. فالفكر المتطرف لا يولد فجأة، بل يتسلل بهدوء، ويبدأ بالتشكيك، ثم العزل، ثم السيطرة على عقل ضحيته، حتى يصبح الإنسان أداة تُستخدم ضد نفسه وضد مجتمعه دون أن يدرك ذلك.

 

ومن هنا أدركت الدولة المصرية أن المواجهة الحقيقية لا تكون فقط بالتصدي لنتائج التطرف، بل بمنع أسبابه من الأساس، وذلك من خلال استراتيجية واعية تقوم على بناء الإنسان جنبًا إلى جنب مع بناء المجتمع. فبناء الطرق والمدن والمشروعات يعكس تقدم الدولة ماديًا، لكن بناء الإنسان الواعي يعكس قوتها الحقيقية وقدرتها على الاستمرار. فالإنسان الواعي لا يمكن تضليله بسهولة، ولا يمكن استقطابه إلى أفكار هدامة، لأنه يمتلك القدرة على الفهم والتحليل والتمييز.

 

لقد أصبح واضحًا أن حماية الأبناء من السقوط في فخ التطرف لا تتحقق بالعزلة أو المنع فقط، بل تتحقق بالوعي، وبمنح الإنسان أدوات التفكير السليم، وتعزيز ثقته بنفسه، وبوطنه، وبمستقبله. فالإنسان الذي يشعر بقيمته، وينتمي إلى مجتمع يحترمه ويحتويه، يصبح أكثر قوة في مواجهة أي محاولة لاستغلاله أو تضليله. ومن هنا جاءت رؤية الدولة المصرية شاملة، لا تقتصر على جانب واحد، بل تمتد لتشمل التعليم، والثقافة، والدين، والإعلام، والشباب، وكل ما من شأنه أن يصنع إنسانًا متوازنًا، ومجتمعًا متماسكًا.

 

أولًا: بناء الوعي كخط الدفاع الأول

 

حيث أدركت الدولة أن أخطر ما يمكن أن يواجه الإنسان هو الجهل، لأن الجهل يفتح الباب أمام التضليل، ويجعل الإنسان فريسة سهلة للأفكار المتطرفة. ولذلك، كان نشر الوعي أحد أهم الركائز الأساسية في حماية الأبناء. فالوعي يمنح الإنسان القدرة على التساؤل، والتحليل، ورفض كل ما يتعارض مع المنطق والقيم الإنسانية السليمة.

 

وقد عملت الدولة على ترسيخ مفاهيم الانتماء، والولاء للوطن، واحترام التنوع، وقبول الآخر، لأن هذه القيم تمثل الحصن الحقيقي الذي يحمي المجتمع من الانقسام والتفكك. كما أصبح الاهتمام ببناء الشخصية المتوازنة هدفًا أساسيًا، لأن الشخصية القوية الواعية لا يمكن أن تنقاد خلف أفكار متطرفة أو دعوات هدامة.

 

ثانيًا: تطوير التعليم كأداة لحماية العقول

 

يُعد التعليم من أهم الوسائل التي تعتمد عليها الدولة في بناء الإنسان، لأنه يشكل عقل الفرد منذ الصغر. ولذلك، حرصت الدولة على تطوير منظومة التعليم لتكون قائمة على الفهم، وليس الحفظ فقط، وعلى التفكير، وليس التلقين.

 

فالطالب الذي يتعلم كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يحلل، يصبح أكثر قدرة على مواجهة أي فكرة منحرفة. كما أن التعليم لم يعد مجرد وسيلة للحصول على شهادة، بل أصبح وسيلة لبناء إنسان قادر على تحمل المسؤولية، والمشاركة في بناء مجتمعه، وحماية وطنه.

 

ثالثًا: دور المؤسسات الدينية في ترسيخ الاعتدال

 

تلعب المؤسسات الدينية أهمها الأزهر الشريف دورًا محوريًا في حماية المجتمع من الأفكار المتطرفة، من خلال نشر الفكر الوسطي المعتدل، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تُستغل لتضليل الشباب. فالدين في جوهره يدعو إلى الرحمة، والتسامح، والتعايش، وليس إلى العنف أو الكراهية.

 

وقد ساهم نشر الخطاب الديني المستنير في توضيح الحقائق، ومواجهة التفسيرات الخاطئة، وتعزيز الفهم الصحيح للدين، بما يحمي الشباب من الوقوع في فخ الجماعات التي تستغل الدين لتحقيق أهدافها الخاصة.

 

رابعًا: تمكين الشباب واحتواؤهم

 

الشباب هم طاقة المجتمع وقوته الحقيقية، ولذلك فإن احتواءهم وتوجيههم يمثل أحد أهم عناصر الحماية من التطرف. فالفراغ، والشعور بالتهميش، وفقدان الهدف، قد تجعل بعض الشباب عرضة للتأثر بالأفكار السلبية.

 

ومن هنا، عملت الدولة على توفير فرص للشباب للمشاركة في الأنشطة المختلفة، وتنمية مهاراتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وإشراكهم في عملية بناء المجتمع. فعندما يشعر الشاب أنه جزء مهم من وطنه، وأن له دورًا وقيمة، يصبح أكثر تمسكًا به، وأكثر حرصًا على حمايته.

 

خامسًا: بناء مجتمع متماسك يدعم أفراده

 

إن بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء المجتمع، لأن الإنسان يتأثر ببيئته، والمجتمع القوي هو الذي يحتضن أفراده، ويوفر لهم الأمان، والاستقرار، والفرص. فالمجتمع المتماسك يقلل من فرص انتشار الأفكار المتطرفة، لأنه يقوم على الترابط، والتعاون، والشعور بالمسؤولية المشتركة.

 

وقد حرصت الدولة على تعزيز هذه القيم، من خلال دعم مؤسسات المجتمع، ونشر الثقافة، وتعزيز روح الانتماء، لأن المجتمع الواعي يمثل بيئة طاردة للتطرف، وبيئة حاضنة للفكر السليم.

 

إن حماية أبناء الوطن من الأفكار المتطرفة ليست مهمة مؤقتة، بل هي مسؤولية مستمرة، تتطلب رؤية بعيدة المدى، وعملًا متواصلًا، وإيمانًا حقيقيًا بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة. فالمشروعات يمكن أن تُبنى في سنوات، لكن بناء الإنسان الواعي يحتاج إلى جهد طويل، ورعاية مستمرة، واهتمام حقيقي بعقله ووجدانه.

 

لقد أثبتت الدولة المصرية أن قوتها لا تكمن فقط في قدراتها المادية، بل في قدرتها على بناء إنسان واعٍ، يدرك قيمة وطنه، ويحميه بفكره قبل أي شيء آخر. فالإنسان الواعي لا يمكن خداعه، ولا يمكن استغلاله، ولا يمكن أن يكون أداة في يد من يسعى إلى تدمير مجتمعه.

 

إن بناء الإنسان بجانب بناء المجتمع يمثل معادلة الأمان الحقيقي، لأنه يخلق مجتمعًا قويًا من الداخل، مجتمعًا يدرك أفراده مسؤوليتهم، ويتمسكون بقيمهم، ويرفضون كل ما يهدد استقرارهم. وعندما يجتمع الإنسان الواعي مع المجتمع المتماسك، يصبح الوطن أكثر قوة، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر استعدادًا لبناء مستقبل يليق بتاريخه، ويحقق طموحات أبنائه.

 

فالوطن لا يُحمى بالحدود فقط، بل يُحمى بالعقول الواعية، والقلوب المنتمية، والإرادة التي ترفض السقوط في أي فخ، وتختار دائمًا طريق البناء، والاستقرار، والنور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى