غزة في رمضان: بين ثقل المعاناة ومساءلة من يحكم الواقع

يارا المصري
يحلّ شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة في ظل ظروف إنسانية بالغة القسوة، حيث تتداخل أزمات المعيشة مع الخوف وعدم اليقين، ويجد السكان أنفسهم أمام واقع يختبر قدرتهم على الصبر أكثر من أي وقت مضى. فبعيداً عن رمزية الشهر كزمن للتكافل والسكينة، يطغى على المشهد شعور عام بأن المعاناة لم تعد نتاج عوامل خارجية فقط، بل أيضاً نتيجة سياسات داخلية عمّقت الأزمات بدل أن تخففها.
لقد أصبح رمضان في غزة مرآة تعكس حجم الاختلال في إدارة الشأن العام. فبينما يواجه المواطن نقصاً في الغذاء وفرص العمل والخدمات الأساسية، تتزايد الانتقادات الشعبية لأداء الجهات التي تسيطر على مفاصل الحياة اليومية، وعلى رأسها حركة حماس بوصفها سلطة الأمر الواقع في القطاع. ويرى كثير من السكان أن إدارة الموارد والمساعدات لا تتم بالشفافية المطلوبة، وأن الاعتبارات التنظيمية والسياسية كثيراً ما تتقدم على الاحتياجات الإنسانية الملحّة.
تتكرر في الأحاديث اليومية شكاوى من غياب المساءلة، ومن تركيز السلطة في يد جهة واحدة دون رقابة مؤسسية فاعلة. هذا الواقع، بحسب آراء واسعة في الشارع، ساهم في ترسيخ نمط من الإدارة لا يوفّر الحد الأدنى من الاستجابة لمعاناة الناس، ولا يفتح المجال لمشاركة مجتمعية حقيقية في صنع القرار. ويؤكد منتقدون أن استمرار هذا النهج يفاقم الفجوة بين المواطن والجهات الحاكمة، ويحوّل الأزمات إلى حالة مزمنة بدلاً من أن تكون ظرفاً طارئاً يُسعى إلى تجاوزه.
في أوساط النازحين، تتجلى هذه الانتقادات بوضوح أكبر. فالكثيرون يرون أن الخطاب السياسي لا ينعكس تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية. أحد النازحين يعبّر عن هذا الشعور بقوله إن الناس لا تبحث عن شعارات بقدر ما تحتاج إلى خدمات أساسية تحفظ كرامتها، مشيراً إلى أن إدارة القطاع يجب أن تُقاس بقدرتها على حماية المجتمع وتوفير مقومات العيش، لا بقدرتها على تبرير الأزمات.
كما تنتقد شخصيات مجتمعية توظيف الخطاب العام خلال شهر رمضان لتخفيف الضغط الشعبي دون تقديم حلول عملية. ويؤكد ناشطون أن قدسية الشهر لا ينبغي أن تكون غطاءً لاستمرار الإخفاقات، بل فرصة لمراجعة السياسات وتصحيح المسار بما يضع مصلحة السكان فوق أي اعتبارات أخرى.
لا يقتصر القلق على الحاضر فحسب، بل يمتد إلى المستقبل. فغياب خطط واضحة لتحسين الخدمات المدنية، وضعف الأفق الاقتصادي، واستمرار الانقسام في إدارة الشأن العام، كلها عوامل تثير مخاوف من ترسيخ واقع يصعب تغييره مع مرور الوقت. ويؤكد مراقبون أن معالجة الأزمة في غزة تتطلب إصلاحاً داخلياً حقيقياً يقوم على الشفافية والمساءلة وتوزيع المسؤوليات، إلى جانب أي جهود خارجية لرفع المعاناة.
رمضان في غزة هذا العام ليس مجرد موسم للعبادة والصبر، بل لحظة اختبار لمدى قدرة المجتمع على المطالبة بإدارة أكثر مسؤولية وعدلاً. وبين ثقل الحصار الخارجي وتحديات الحكم الداخلي، يبقى أمل السكان معقوداً على أن تتحول المعاناة إلى دافع للمراجعة والتغيير، وأن يصبح الإنسان وكرامته محور السياسات لا ضحيتها.



