اليوم .. انطلاق المؤتمر السنوي الثامن لكلية العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

اليوم .. انطلاق المؤتمر السنوي الثامن لكلية العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
بقلم: طه المكاوي
*الشرق الأوسط في مرحلة انتقالية
*إعادة الإعمار بين معادلات السياسة وتحديات التمويل…
*كيف تعيد الاصطفافات رسم خريطة الاستثمار والطاقة في المنطقة
* الاقتصاد في قلب التحولات الجيوسياسية
لم تعد التحولات الجارية في الشرق الأوسط تُقاس فقط بموازين القوى العسكرية أو السياسية، بل أصبحت تُقرأ من خلال خرائط التمويل، مسارات الطاقة، وتدفقات الاستثمار. فكل صراع ينتهي — أو يتجمّد — يخلّف وراءه سؤالًا اقتصاديًا ضخمًا: من سيدفع كلفة إعادة الإعمار؟ ومن سيجني عوائد إعادة البناء؟
في هذا السياق، يأتي المؤتمر السنوي الثامن لكلية العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بعنوان:
«الشرق الأوسط في مرحلة انتقالية: إعادة الاصطفافات الإقليمية ومستقبل إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع، مع إشارة خاصة إلى القضية الفلسطينية»
ليضع البعد الاقتصادي في صدارة النقاش، رابطًا بين السياسة والتمويل، وبين إعادة الإعمار وإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
أولاً: كلفة إعادة الإعمار… أرقام تتجاوز البعد الإنساني
إعادة الإعمار في مناطق النزاع — وعلى رأسها غزة — ليست مجرد عملية هندسية لإصلاح البنية التحتية، بل هي مشروع اقتصادي ضخم متعدد المستويات يشمل:
إعادة بناء شبكات الكهرباء والمياه والطرق.
إصلاح المرافق الصحية والتعليمية.
إعادة هيكلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل.
دعم الاستقرار النقدي والمالي.
وغالبًا ما تتطلب هذه العمليات مليارات الدولارات في بيئات تتسم بارتفاع المخاطر السياسية والائتمانية. وهنا يبرز التحدي المركزي:
هل التمويل سيكون قائمًا على منح دولية؟ أم قروض مشروطة؟ أم شراكات استثمارية طويلة الأجل؟
المؤتمر يناقش هذه الإشكالية من زاوية حيوية: إعادة الإعمار ليست عملية فنية محايدة، بل أداة سياسية واقتصادية تعكس توازنات القوى الإقليمية والدولية.
ثانيًا: التمويل الدولي بين السياسة والمصالح
التاريخ الحديث يُظهر أن تمويل إعادة الإعمار غالبًا ما يرتبط بأجندات سياسية. فالمؤسسات المالية الدولية، وصناديق التنمية، والبنوك متعددة الأطراف، لا تتحرك بمعزل عن التوازنات الجيوسياسية.
في الحالة الفلسطينية، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
ما هو الإطار السياسي الذي سيحكم عملية إعادة الإعمار؟
من الجهة التي ستدير الأموال؟
كيف سيتم ضمان الشفافية والاستدامة؟
كما يناقش المؤتمر دور الصناديق السيادية الخليجية، والاتحاد الأوروبي، والمؤسسات الدولية في تشكيل نموذج التمويل، وهل ستتجه المنطقة نحو نموذج يعتمد على المساعدات، أم نحو نموذج استثماري يدمج القطاع الخاص في عملية إعادة البناء؟
ثالثًا: إعادة الاصطفافات وتأثيرها على أسواق الطاقة
الشرق الأوسط يظل القلب النابض لأسواق الطاقة العالمية. وأي إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية تنعكس مباشرة على:
أسعار النفط والغاز.
مسارات الإمداد.
مشروعات الربط الإقليمي للطاقة.
الاستثمارات في الطاقة المتجددة.
إعادة الاصطفافات قد تفتح الباب أمام تحالفات طاقة جديدة، أو تعزز مشاريع إقليمية عابرة للحدود، خاصة في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
كما أن استقرار — أو اضطراب — المنطقة يؤثر على شهية المستثمرين العالميين تجاه مشروعات البنية التحتية والطاقة، ما يجعل البعد الأمني عنصرًا حاسمًا في قرارات الاستثمار.
رابعًا: الاستثمار في بيئة ما بعد الصراع
تاريخيًا، تشكل فترات ما بعد النزاعات فرصًا استثمارية كبيرة، لكنها عالية المخاطر.
فالاستثمار في إعادة الإعمار يمكن أن يحقق عوائد طويلة الأجل في قطاعات مثل:
البناء والتشييد.
الاتصالات والتكنولوجيا.
الخدمات المالية.
الطاقة والمرافق العامة.
لكن ذلك يتطلب:
بيئة قانونية مستقرة.
ضمانات سيادية.
أطر حوكمة شفافة.
رؤية سياسية واضحة لمستقبل المنطقة.
المؤتمر يسلط الضوء على العلاقة العضوية بين الاستقرار السياسي وجاذبية الاستثمار، مؤكدًا أن رأس المال لا يتحرك في فراغ، بل يبحث عن وضوح في القواعد واستدامة في السياسات.
خامسًا: الاقتصاد السياسي للقضية الفلسطينية
القضية الفلسطينية ليست فقط ملفًا سياسيًا أو إنسانيًا، بل هي أيضًا قضية ذات أبعاد اقتصادية عميقة.
فإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني في مرحلة ما بعد الصراع ستؤثر على:
تدفقات المساعدات الدولية.
العلاقات التجارية الإقليمية.
فرص التكامل الاقتصادي.
دور القطاع الخاص الفلسطيني في التنمية.
كما يناقش المؤتمر كيف يمكن للاقتصاد أن يكون أداة لتعزيز الاستقرار، وليس مجرد نتيجة له.
الحضور الدولي: قراءة عالمية للمشهد الاقتصادي
بمشاركة جامعات مرموقة من كندا والمملكة المتحدة ومصر، وبحضور شخصيات بارزة مثل السيد عمرو موسى، يكتسب المؤتمر بعدًا دوليًا يعكس إدراكًا عالميًا بأن مستقبل الشرق الأوسط لا يُحدد فقط في غرف السياسة، بل في دوائر التمويل والاستثمار أيضًا.
خاتمة: من إعادة الإعمار إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي
التحولات الجارية في الشرق الأوسط تضع المنطقة أمام مفترق طرق اقتصادي:
إما أن تتحول إعادة الإعمار إلى فرصة لإعادة بناء اقتصادات أكثر استدامة وتكاملًا،
أو أن تبقى رهينة التجاذبات السياسية قصيرة الأجل.
المؤتمر السنوي الثامن للعلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة يقدم منصة لتحليل هذه اللحظة المفصلية، حيث تتقاطع السياسة مع رأس المال، وتلتقي إعادة الاصطفافات مع خرائط الطاقة والاستثمار.
وفي عالم تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الأسواق المالية، يصبح السؤال الأهم:
هل يستطيع الشرق الأوسط تحويل تحديات ما بعد الصراع إلى فرصة لإعادة صياغة اقتصاده الإقليمي على أسس أكثر استقرارًا وشفافية وجاذبية للاستثمار؟



