ضجيج التحريض ..حينما يُجرّم صوت العقل 

كتبت صفاء مهنا

حين تدخل الدول مرحلة الانهيار، لا يعود مقبولًا الاختباء خلف العبارات الرمادية ولا التذرع بالحكمة الزائفة. فالأزمات الكبرى لا تحتمل الترف الخطابي، بل تفرض وضوحًا حادًا: من يقف مع الوطن، ومن يتاجر به.

 

في كل أزمة وطنية كبرى، تسقط الأقنعة. لا تُختبر قوة الدولة فقط، بل يُختبر ضمير النخب وموقفها الحقيقي. فإما أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، أو تنكشف بوصفها جزءًا من المشكلة، مهما ارتدت من شعارات وطنية أو ادّعت الحرص على الاستقرار.

 

النخب التي تلوذ بالصمت في لحظات الخطر، أو تبرر الفشل، أو تُبرع في تسويق الخوف باسم الواقعية، ليست نخبًا محايدة، بل شريكًا مباشرًا في تعميق الأزمة. فالحياد في زمن الانهيار ليس موقفًا أخلاقيًا، والصمت ليس حكمة، بل تواطؤًا مؤجلًا.

 

دور النخب لا يكون بإشعال الغرائز ولا بتغذية الانقسام، بل بامتلاك الجرأة على قول الحقيقة، وتشخيص جذور الأزمة، والدفاع عن العدالة وسيادة القانون دون مواربة أو انتقائية. غير أن ما نشهده اليوم هو انزلاق واسع لنخب اختارت الاصطفاف مع المصلحة وضجيج التخوين وحوّلت نفوذها الإعلامي والثقافي إلى أدوات تضليل وتحريض وتخويف.

 

الأخطر من ذلك أن أي صوت مستقل يدعو إلى العقل والحوار يُستهدف بحملات تخوين وتشويه ممنهجة. تُفصَّل التهم على مقاس اللحظة، وتُشن حروب نفسية عبر المنصات الرقمية لإسكات كل من يرفض الانخراط في خطاب الكراهية أو الاصطفاف الأعمى. هكذا يصبح التفكير جريمة، والاختلاف تهديدًا، والوطن رهينة لمن يصرخ أكثر لا لمن يفكر أعمق.

 

التاريخ لا ينسى، ولا يغفر. لقد أثبتت التجارب أن انهيار الدول لا يبدأ من الشارع وحده، بل من انهيار النخب، حين تتخلى عن استقلاليتها، وتبيع دورها، أو تفضّل السلامة الشخصية على المسؤولية الوطنية. وعندما تسقط النخب، لا يبقى في مواجهة العاصفة سوى مجتمعات منقسمة وأوطان بلا بوصلة.

 

اليوم، لم يعد السؤال ما إذا كانت النخب قادرة على لعب دورها، بل ما إذا كانت مستعدة لدفع ثمن هذا الدور. فالمواجهة ليست خيارًا سهلاً، لكنها الطريق الوحيد لمن يرفض أن يُسجَّل اسمه في سجل الصامتين أو المبررين أو المتواطئين.

 

في زمن ضجيج التحريض الكلمة موقف، والصمت اصطفاف،

والتاريخ لا يرحم من اختار الوقوف في المنطقة الرمادية بينما الوطن يغرق .. ومهما ارتفع ضجيج التحريض صوت العقل هو قارب النجاة .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى