تكليفات السيد رئيس الجمهورية للحكومة بعد تعديل التشكيل.. رؤية استراتيجية لإدارة الدولة وبناء المستقبل

إعداد : د/شيماء المتعب
بسم الله الرحمن الرحيم
في مرحلة تتشابك فيها التحديات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وتتصاعد فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على مختلف دول العالم، تزداد أهمية وجود رؤية قيادية واضحة تُحسن إدارة الدولة، وتحدد أولويات العمل الوطني على أسس واقعية وعلمية. ولم تعد إدارة الشأن العام في العصر الحديث تقتصر على ردود الأفعال أو المعالجات المؤقتة، بل باتت تتطلب تخطيطًا استراتيجيًا شاملًا، وقدرة على التنسيق المؤسسي، ووضوحًا في الأهداف، ومساءلة دقيقة للأداء.
وفي هذا السياق، يأتي تعديل التشكيل الوزاري مصحوبًا بتكليفات رئاسية محددة، تعكس حرص القيادة السياسية على إعادة ضبط بوصلة العمل الحكومي بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الراهنة. إذ تمثل هذه التكليفات بمثابة إطار توجيهي ملزم، يحدد مسؤوليات كل جهة، ويضع معايير واضحة للحكم على كفاءة الأداء، ويؤكد أن المرحلة المقبلة هي مرحلة عمل جاد، وتنفيذ منضبط، ونتائج قابلة للقياس.
كما تعكس هذه التكليفات وعيًا عميقًا بحجم التحديات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها المباشرة على الداخل، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي طالت سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء. ومن ثم جاء التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين استكمال مسار الإصلاح الاقتصادي، وحماية الفئات الأكثر تأثرًا، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، بما يضمن تماسك الدولة وقدرتها على الاستمرار في مسار التنمية.
وفي إطار حرص القيادة السياسية على تعزيز كفاءة الأداء الحكومي، وضمان التعامل الفعّال مع التحديات الراهنة، جاءت تكليفات السيد رئيس الجمهورية للحكومة بعد تعديل التشكيل الوزاري لتضع إطارًا استراتيجيًا واضحًا يحكم عمل الدولة في المرحلة المقبلة، ويوازن بين متطلبات الأمن القومي، والإصلاح الاقتصادي، وبناء الإنسان، وترسيخ قيم المواطنة والشفافية.
أولًا: محاور التكليف الرئاسي الأساسية
أكدت التكليفات على الالتزام بمحاور رئيسية تمثل الدعائم الأساسية لعمل الحكومة:
1- الأمن القومي والسياسة الخارجية
بما يضمن حماية مصالح الدولة، وصون حدودها، والحفاظ على مكانتها الإقليمية والدولية، وتعزيز علاقاتها الخارجية بما يخدم الأمن والاستقرار.
٢- التنمية الاقتصادية
من خلال تحسين المؤشرات الاقتصادية، وتعزيز النمو، ورفع مستوى معيشة المواطنين، ومواجهة التحديات المالية بآليات إصلاح مدروسة.
٣- الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي
عبر تعظيم الإنتاج المحلي، ودعم قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، تحقيقًا لمفهوم الأمن الاستراتيجي الشامل.
٤- المجتمع وبناء الإنسان
بالاستثمار في التعليم والصحة، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، انطلاقًا من أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها.
ثانيًا: التخطيط القائم على الأهداف وقياس الأداء
حيث ألزمت التكليفات كل وزارة بوضع خطة عمل واضحة تتضمن أهدافًا محددة، وجداول زمنية، وآليات تنفيذ، ومصادر تمويل، ومؤشرات دقيقة لقياس الأداء، مع إخضاع العمل للمتابعة والتقييم المستمر. ويعكس هذا التوجه اعتماد الدولة على منهج الإدارة الحديثة القائمة على النتائج والمساءلة.
ثالثًا: أولوية تحسين الوضع الاقتصادي
حيث أولت التكليفات اهتمامًا خاصًا بتعزيز التنسيق بين الوزراء المعنيين بالشأن الاقتصادي، وإعداد خطط مستقبلية متكاملة، وضمان الانسجام بين السياسات المختلفة. كما شددت على دراسة أي إجراءات جديدة بعناية، خاصة في ظل قرب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي، والتوجه نحو خفض الدين العام، بما يحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح وحماية المواطنين.
رابعًا: تعزيز دور القطاع الخاص
حيث أكدت التكليفات على مواصلة تنفيذ سياسة ملكية الدولة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق التنمية، ووسيلة فعالة لرفع كفاءة الاقتصاد وجذب الاستثمارات.
خامسًا: دعم مجالات اقتصادية واعدة
حيث شملت التكليفات التوسع في دعم التكنولوجيا، والمعادن النادرة، والصناعات المرتبطة بالابتكار، مع تشجيع البحث العلمي وتمويله وربط مخرجاته بالتطبيق العملي، في إطار التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.
سادسًا: الارتقاء بمنظومتي التعليم والصحة
حيث أكدت التكليفات على تطوير التعليم بما يواكب متطلبات العصر وسوق العمل، إلى جانب زيادة الاهتمام بصحة المواطنين، وتحسين الخدمات الطبية، باعتبار التعليم والصحة ركيزتين أساسيتين لأي نهضة حقيقية.
سابعًا: ترسيخ قيم المواطنة والمشاركة المجتمعية
حيث شددت التكليفات على إعلاء قيم المساواة وعدم التمييز، وتعزيز الشفافية، وتشجيع المشاركة الشعبية، واستكمال الاستحقاقات الدستورية للمجالس المحلية، بما يعزز الرقابة الشعبية ويحسن الأداء الإداري.
ثامنًا: دور الإعلام الوطني
حيث أبرزت التكليفات أهمية الإعلام الوطني في توعية الرأي العام، وتقديم الحقائق بشفافية، ومواجهة الشائعات، وتعزيز ثقافة الحوار البناء واحترام الرأي الآخر.
تعكس تكليفات السيد رئيس الجمهورية للحكومة بعد تعديل التشكيل رؤية استراتيجية متكاملة لإدارة الدولة في مرحلة دقيقة تتطلب وضوحًا في الرؤية، وانضباطًا في التنفيذ، وتحملًا كاملًا للمسؤولية. فهي تمثل خريطة طريق واضحة تقوم على التخطيط، والتنسيق، والمساءلة، والشراكة بين الدولة والمجتمع، من أجل تحقيق الاستقرار ودفع عجلة التنمية وبناء مستقبل أكثر قوة واستدامة.
وعليه، فإن كل من أُتيحت له فرصة تولي هذا المنصب التنفيذي، عليه أن يدرك أن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن ما له من صلاحيات يقابله ما عليه من التزامات وواجبات، وأن المرحلة لا تحتمل تقصيرًا أو تهاونًا في أداء المهام. فالأمانة جسيمة، والعمل الوطني يقتضي الجدية والانضباط وتحمل المسؤولية كاملة. والله وليّ التوفيق.



