لماذا تخشى بعض الأطراف الإقليمية تعاظم القوة العسكرية المصرية؟

إعداد : د/شيماء المتعب
في عالم تُدار فيه العلاقات الإقليمية بمنطق القوة قبل الشعارات، لا تُقاس المخاوف دائمًا بما يُقال علنًا، بل بما يُناقَش خلف الأبواب المغلقة، في غرف التقدير الاستراتيجي ومراكز صناعة القرار. من هذا المنظور، يبرز تعاظم القوة العسكرية المصرية كأحد أكثر المتغيرات التي تُراقَب بدقة وقلق، ليس لأنه يحمل نذر صدام مباشر، بل لأنه يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر دون حاجة إلى إعلان أو تهديد.
إن القلق الذي تثيره القوة العسكرية المصرية لدى بعض الأطراف الإقليمية ليس انفعالًا لحظيًا، ولا رد فعل على خطوة بعينها، بل هو قلق تراكمي نابع من إدراك عميق لطبيعة الدولة المصرية نفسها: دولة ذات تاريخ مركزي في الإقليم، وحضور بشري وجغرافي لا يمكن تجاوزه، وجيش لم يكن يومًا أداة مغامرة، بل ركيزة سيادة وحارس توازن.
والسؤال هنا لا يتعلق بما تنوي مصر فعله، بقدر ما يتعلق بما تستطيع فعله إذا اضطرت. فالفارق الجوهري في الحسابات الاستراتيجية لا يقوم على النوايا المعلنة، بل على القدرات الكامنة، وعلى ما تفرضه هذه القدرات من قيود على الآخرين حتى في أوقات السلم.
من هذا المنطلق، يصبح تعاظم القوة العسكرية المصرية عامل ردع صامت، ورسالة غير مكتوبة مفادها أن معادلات التفوق الأحادي لم تعد مسلّمات ثابتة، وأن ميزان القوى في الإقليم قابل لإعادة الضبط متى توفرت الإرادة والقدرة معًا.
هذا المقال لا يسعى إلى تأجيج صراع، ولا إلى تبرير سباق تسلح، بل يهدف إلى قراءة هادئة وعميقة لأسباب القلق الكامن من قوة مصر العسكرية، وفهم لماذا تُثير دولة لا تبحث عن الحرب هذا القدر من الحسابات والتحفظات لدى أطراف إقليمية تعرف جيدًا معنى أن تكون مصر قوية.
١_ عقيدة التفوق في مواجهة منطق التوازن
تعتمد بعض الأطراف الإقليمية في أمنها القومي على مبدأ التفوق العسكري الدائم، لا على فكرة التوازن. فالتوازن يقيّد حرية الحركة، بينما التفوق يمنح القدرة على المبادرة والفرض والردع دون كلفة سياسية أو عسكرية مرتفعة.
من هذا المنطلق، فإن صعود قوة عسكرية مصرية متماسكة، منظمة، وحديثة التسليح يُعد تهديدًا بنيويًا لمنظومة التفوق القائمة، حتى وإن لم يصاحبه خطاب عدائي أو نية صدام.
٢_ لماذا مصر تحديدًا؟
ليست كل الجيوش في الإقليم محل قلق متساوٍ. فمصر تمثل حالة استثنائية للأسباب التالية:
ثقل سكاني وبشري هائل يتيح قدرة تعبئة استراتيجية طويلة الأمد.
موقع جغرافي فريد يتحكم في مفاصل حيوية: شرق المتوسط، البحر الأحمر، وقناة السويس.
خبرة عسكرية تاريخية أثبتت القدرة على التعلم والتكيف وإعادة البناء.
تنوع مصادر التسليح بما يقلل التبعية ويعزز الاستقلالية في القرار.
مؤسسة عسكرية وطنية مستقرة لا تخضع لتقلبات أيديولوجية أو فوضى داخلية.
هذه العوامل تجعل من مصر دولة مركز ثقل، ووجود دولة من هذا النوع بجيش قوي هو مصدر قلق دائم لأي طرف يعتمد على التفوق الأحادي.
٣_عقل صُنّاع القرار وسيناريوهات القلق
صُنّاع القرار في الطرف المقابل لا ينظرون إلى الواقع الآني فقط، بل يفكرون بمنطق أسوأ الاحتمالات:
ماذا لو تغيّرت التوازنات السياسية؟
ماذا لو فرضت الإرادة الشعبية توجهًا أكثر استقلالًا؟
ماذا لو اندلع صراع إقليمي واسع؟
ماذا لو تآكلت التفاهمات الأمنية القائمة؟
في جميع هذه السيناريوهات، يصبح وجود جيش مصري قوي عامل ردع حقيقي، يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية أو سياسية إلى مستويات غير مضمونة النتائج.
٤_ سيناء دائما وأبدا هى نقطة الحساسية الدائمة
تمثل سيناء بُعدًا خاصًا في حسابات الأطراف القلقة من القوة المصرية. فهي العمق الاستراتيجي الطبيعي لمصر، وأي حضور عسكري مصري فاعل فيها—حتى لو كان لأغراض سيادية وأمنية مشروعة—يُقرأ باعتباره مؤشر قوة لا يمكن تجاهله.
الطرف الآخر يفضّل حدودًا هادئة، منخفضة الكثافة، وسهلة المراقبة، بينما تسعى مصر إلى فرض سيادتها الكاملة على أراضيها، وهنا يتجلى جوهر القلق لا في النوايا، بل في القدرات.
٥_ الخوف من القوة الصامتة
المفارقة أن هذه الأطراف قد تتعامل بسهولة أكبر مع خصم صاخب يهدد ويستعرض، لكنها تشعر بقلق أعمق تجاه دولة:
لا تلوّح بالقوة
لا ترفع الشعارات
لا تبحث عن الصدام
لكنها تبني قدراتها بهدوء وانضباط
القوة الصامتة لا تمنح مبررًا للمواجهة، ولا ذريعة للضغط، لكنها تفرض نفسها كحقيقة استراتيجية يصعب تجاوزها.
٦_السياسة مقابل المؤسسة العسكرية
غالبًا ما يكون القلق السياسي أشد من القلق العسكري. فالمؤسسات العسكرية تميل إلى قراءة واقعية متوازنة للعلاقات، بينما تنظر القيادات السياسية إلى القوة المصرية باعتبارها متغيرًا قد يعيد تشكيل معادلات الإقليم مستقبلًا.
ومن هنا يظهر التوتر الصامت: احترام معلن، يقابله قلق غير معلن.
لماذا لا يُعلَن هذا الخوف؟
لأن الاعتراف به يعني الإقرار بتآكل التفوق، ويعني أيضًا:
رفع مكانة مصر الإقليمية معنويًا
إرسال رسائل غير مرغوبة للداخل والخارج
تشجيع دول أخرى على السعي لبناء القوة نفسها
لذلك يبقى هذا الخوف محصورًا في التقارير والتقديرات، لا في الخطابات العلنية.
ليست المخاوف التي تثيرها القوة العسكرية المصرية لدى بعض الأطراف الإقليمية وليدة تهديد مباشر، ولا انعكاسًا لنوايا عدوانية، بل هي نتاج إدراك عميق لحقيقة تاريخية واستراتيجية مفادها أن مصر، حين تمتلك القوة، لا تستخدمها باندفاع، لكنها حين تمتلكها تغيّر قواعد اللعبة من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
إن جوهر القلق لا يكمن في احتمال الحرب، بل في استحالة فرض الإرادة. فوجود جيش مصري قوي، منظم، متنوع التسليح، ومرتبط بدولة ذات ثقل سكاني وجغرافي وسياسي، يعني أن زمن التفوق الأحادي يصبح محدودًا، وأن هامش الحركة والمغامرة يتقلص تلقائيًا، حتى في غياب الصدام.
القوة المصرية هنا لا تعمل كأداة تهديد، بل كحاجز نفسي واستراتيجي. إنها تفرض على الآخرين إعادة الحساب قبل اتخاذ القرار، وتُدخل عامل التردد حيث كان الاطمئنان، وتُجبر مراكز القرار على التفكير في العواقب لا في الإمكانات فقط. وهذا بالضبط ما يُقلق: أن تكون القوة موجودة، مستقرة، وغير محتاجة للاستعراض أو التبرير.
ومع تعاظم هذه القوة، لا تعود مصر مجرد طرف في المعادلة، بل تصبح ضابطًا لإيقاعها. حضورها العسكري يعيد رسم حدود الممكن والممنوع، ويمنحها قدرة على التأثير حتى من موقع الصمت. فالدول لا تُقاس فقط بما تقوله أو تفعله، بل بما تمنع غيرها من التفكير في فعله.
من هنا، فإن الخشية الحقيقية ليست من نوايا مصر، بل من طبيعتها. من دولة تعرف متى تتحرك ومتى تصمت، متى تستخدم القوة ومتى تكتفي بامتلاكها. دولة تدرك أن الردع لا يعني الاستفزاز، وأن السيادة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن التوازن قد يكون أحيانًا أكثر فاعلية من الهيمنة.
إن تعاظم القوة العسكرية المصرية لا يُنذر بصراع، بل يُنذر بنهاية مرحلة وبداية أخرى: مرحلة تُحسب فيها الخطوات بدقة، وتُراجع فيها الحسابات القديمة، وتُعاد فيها صياغة العلاقات على أساس الاحترام المتبادل لا فرض الأمر الواقع.
ولهذا، سيبقى القلق قائمًا، حتى لو لم يُعلَن. لأن مصر القوية عسكريًا ليست خطرًا لأنها قد تحارب، بل لأنها قادرة على أن تمنع الحرب… وتمنع معها كثيرًا من الطموحات غير المحسوبة.
رسالة ردع أخيرة
وعليه، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُقرأ بوضوح هنا ومن دون التباس هي أن مصر لا تبحث عن مناوشات، لكنها لا تسمح بها. لا تلوّح بالقوة فقط ، لكنها تمتلكها، وتمتلك معها القدرة العملية على حماية كيانها وحدودها ومصالحها متى فُرض عليها ذلك.
على أي طرف يفكّر في اختبار هذه الحقيقة أن يعيد الحساب مرتين، لا لأن مصر تهدد، بل لأن الوقائع لا تُجادَل. فالدولة التي بنت جيشًا حديثًا، متماسكًا، ومتعدد القدرات، وربطته بعقيدة دفاعية واضحة، لا تُستدرَج ولا تُفاجَأ، ولا تُفرض عليها وقائع بالقوة أو بالمناورة.
إن أي اقتراب من حافة المناوشة مع مصر ليس مغامرة محسوبة، بل مقامرة خاسرة، لأن الدفاع عن الكيان الوطني ليس خيارًا سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل التزامًا ثابتًا تحسمه القدرة قبل النية.
ومصر أصبحت بهذه القدرة لا تحتاج إلى التصعيد كي تردع، ولا إلى الاستعراض كي تُقنع. يكفي أن تكون مستعدة، وأن يكون ذلك معلومًا. فحين تكون القدرة على الدفاع مكتملة، يصبح التفكير المسبق واجبًا على الطرف الآخر، وتصبح الحكمة هي الخيار الوحيد المتاح.
هذه ليست لهجة تهديد، بل منطق دولة تعرف وزنها، وتُدرك أن السيادة تُصان بالفعل لا بالقول، وأن من يفكّر في العبث بها، عليه أن يتحمّل كامل تبعات قراره.
حفظ الله الوطن 🇪🇬



