الاستدامة كجسر للحوار بين الأديان وبناء مستقبل إنساني مشترك

إعداد: د. ميرفت إبراهيم

 

ملخص البحث

 

أصبحت الاستدامة أحد المفاهيم المركزية في الفكر الإنساني المعاصر، نظرًا لتشابك أبعادها البيئية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية. ولم تعد الاستدامة تقتصر على كونها نهجًا تنمويًا، بل تحوّلت إلى إطار قيمي شامل يهدف إلى حماية الإنسان والموارد وضمان حقوق الأجيال القادمة. وينطلق هذا البحث من فرضية أساسية مفادها أن الأديان السماوية، رغم تنوعها، تشترك في منظومة قيمية واحدة تُعلي من شأن عمارة الأرض، وتحقيق العدل، وصون الكرامة الإنسانية، وهو ما يجعل الاستدامة مدخلًا فاعلًا لتعزيز الحوار بين الأديان وبناء السلام المجتمعي. ويسعى البحث إلى إبراز الدور القيمي للأديان في دعم الاستدامة، وتحليل إمكاناتها كأداة عملية للحوار والتعايش، مع تسليط الضوء على التجربة القطرية كنموذج معاصر في هذا المجال.

 

مقدمة

 

يشهد العالم اليوم تحولات عميقة وتحديات غير مسبوقة، من أبرزها التغير المناخي، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتصاعد النزاعات والصراعات ذات الأبعاد الدينية والثقافية. وفي ظل هذه التحديات، بات البحث عن نماذج تنموية وإنسانية شاملة ضرورة ملحّة، وهو ما أعاد مفهوم الاستدامة إلى صدارة النقاشات الدولية.

غير أن الاستدامة، بوصفها مفهومًا شاملًا، لا يمكن تحقيقها بمعزل عن القيم الأخلاقية والروحية التي توجه سلوك الإنسان. وهنا يبرز دور الأديان كرافد أساسي لمنظومة القيم الإنسانية، وكجسر للحوار والتفاهم بين الشعوب. ويأتي مؤتمر الدوحة لحوار الأديان ليؤكد أهمية توظيف القيم الدينية المشتركة في دعم قضايا عالمية كبرى، وفي مقدمتها الاستدامة وبناء مستقبل إنساني قائم على التعايش والسلام.

 

أولًا: مفهوم الاستدامة وأبعاده المتكاملة

 

تُعرَّف الاستدامة بأنها القدرة على تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. ويقوم هذا المفهوم على ثلاثة أبعاد رئيسية هي: البعد البيئي، والبعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي.

فالاستدامة البيئية تهدف إلى حماية الموارد الطبيعية والحفاظ على التوازن البيئي، بينما تسعى الاستدامة الاقتصادية إلى تحقيق النمو العادل وتوفير فرص العمل دون الإضرار بالبيئة. أما الاستدامة الاجتماعية فتركز على العدالة الاجتماعية، وتمكين الفئات الهشة، وضمان الحقوق الأساسية.

وقد تطور المفهوم ليشمل بعدًا رابعًا يتمثل في البعد الثقافي والأخلاقي، وهو بعد بالغ الأهمية، إذ يعكس منظومة القيم التي تحكم علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالطبيعة. ويشكّل هذا البعد نقطة الالتقاء بين الاستدامة والدين، حيث تؤدي القيم الروحية دورًا محوريًا في توجيه السلوك الإنساني نحو المسؤولية والاعتدال.

 

ثانيًا: القيم الدينية المشتركة ودورها في دعم الاستدامة

 

تشترك الأديان السماوية في الدعوة إلى عمارة الأرض وعدم الإفساد فيها، وهو مبدأ جوهري يتقاطع بوضوح مع أهداف الاستدامة. ففي الإسلام، يُعد مفهوم الاستخلاف أساسًا لعلاقة الإنسان بالكون، حيث يتحمل مسؤولية الحفاظ على الموارد وتحقيق التوازن.

وفي المسيحية، تبرز قيم المحبة والرعاية والمسؤولية تجاه الخليقة، باعتبار الإنسان أمينًا على ما وهبه الله. أما في اليهودية، فتظهر مبادئ حفظ الخليقة واحترام الطبيعة بوصفها جزءًا من الالتزام الديني.

وتُسهم هذه القيم المشتركة في تعزيز السلوك المسؤول، وترشيد الاستهلاك، ومواجهة الأنماط الاستهلاكية المفرطة التي تهدد مستقبل البشرية. كما تشكل أساسًا أخلاقيًا للتعاون بين أتباع الأديان في مواجهة التحديات البيئية والإنسانية المشتركة.

 

ثالثًا: الاستدامة كمدخل عملي للحوار بين الأديان

 

يمثل الحوار بين الأديان أحد أهم الأدوات لبناء التفاهم وتعزيز التعايش السلمي، غير أن هذا الحوار غالبًا ما يظل في إطاره النظري. وهنا تبرز الاستدامة كمدخل عملي وواقعي للحوار، من خلال العمل المشترك في قضايا تمس الجميع دون استثناء.

فالتعاون في مجالات حماية البيئة، ومكافحة الفقر، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية، يتيح فرصًا حقيقية لبناء جسور الثقة بين أتباع الأديان المختلفة. كما يسهم في تحويل القيم المشتركة إلى ممارسات ملموسة تعزز السلام المجتمعي، وتحدّ من النزاعات القائمة على سوء الفهم أو التعصب.

 

رابعًا: دور المؤسسات الدينية في ترسيخ الاستدامة

 

تلعب المؤسسات الدينية دورًا محوريًا في نشر ثقافة الاستدامة، نظرًا لما تتمتع به من تأثير روحي واجتماعي واسع. ومن خلال الخطب والبرامج التوعوية والمبادرات المجتمعية، يمكن للمؤسسات الدينية تعزيز الوعي البيئي، وترسيخ قيم المسؤولية الاجتماعية، وتشجيع السلوكيات المستدامة.

كما يمكن لهذه المؤسسات أن تسهم في بناء شراكات مع الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، بما يعزز الجهود المشتركة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

 

خامسًا: دور الإعلام في دعم الاستدامة والحوار بين الأديان

 

يُعد الإعلام شريكًا أساسيًا في نشر ثقافة الاستدامة وتعزيز خطاب الحوار بين الأديان. فمن خلال إعلام مسؤول ومهني، يمكن إبراز النماذج الإيجابية للتعاون الديني، وتسليط الضوء على المبادرات المشتركة، وتصحيح الصور النمطية السائدة.

كما يسهم الإعلام في رفع مستوى الوعي المجتمعي بقضايا الاستدامة، وتحفيز المشاركة المجتمعية، وبناء رأي عام داعم للتعايش والسلام.

 

سادسًا: التجربة القطرية في دعم الاستدامة وحوار الأديان

 

قدمت دولة قطر نموذجًا رائدًا في الجمع بين التنمية المستدامة وترسيخ ثقافة الحوار بين الأديان والثقافات. وتنسجم رؤية قطر الوطنية 2030 مع مبادئ الاستدامة في أبعادها البيئية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

كما أسهمت استضافة قطر لمؤتمرات وملتقيات دولية، مثل مؤتمر الدوحة لحوار الأديان، في تعزيز مكانتها كمنصة عالمية للحوار، ودعم الجهود الرامية إلى بناء مستقبل إنساني مشترك قائم على الاحترام المتبادل والتعاون.

 

سابعًا: التحديات التي تواجه توظيف الاستدامة في الحوار بين الأديان

 

رغم الإمكانات الكبيرة التي توفرها الاستدامة كمدخل للحوار، إلا أن هناك تحديات تعيق تفعيل هذا الدور، من أبرزها تسييس الدين، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وتفاوت مستويات الوعي.

غير أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبني استراتيجيات شاملة تقوم على التعليم، وبناء القدرات، وتعزيز الشراكات الدولية، بما يضمن استدامة الحوار وفاعليته.

 

خاتمة

 

يخلص هذا البحث إلى أن الاستدامة تمثل مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا يتجاوز الأطر التقنية والاقتصادية، ليشمل منظومة قيمية متكاملة تشترك فيها الأديان السماوية. ويُعد الحوار بين الأديان ركيزة أساسية لدعم هذا المشروع، من خلال تعزيز التعاون، وبناء الثقة، وتحويل القيم المشتركة إلى ممارسات عملية تسهم في بناء عالم أكثر سلامًا وعدالة وتوازنًا.

وفي هذا الإطار، تبرز التجربة القطرية كنموذج ملهم يبرهن على إمكانية توظيف الاستدامة كجسر للحوار وبناء مستقبل إنساني مشترك للأجيال القادمة.

المراجع:

1. United Nations. (2015). Transforming our world: The 2030 agenda for sustainable development. New York: United Nations.

2. Sachs, J. D. (2015). The age of sustainable development. New York: Columbia University Press.

3. UNESCO. (2017). Education for sustainable development goals: Learning objectives. Paris: UNESCO Publishing.

4. Foltz, R. (2006). Religion and sustainable development. Worldviews: Global Religions, Culture, and Ecology, 10(2), 167–180.

5. Hitzhusen, G. E., & Tucker, M. E. (2013). The role of religion in environmental sustainability. Worldviews: Global Religions, Culture, and Ecology, 17(1), 1–23.

6. Qatar National Vision 2030. (2008). Towards sustainable development in Qatar. Doha: General Secretariat for Development Planning.

7. Interfaith Center on Sustainable Development. (2016). Faith and the environment: A guide to action. New York: ICSD Publications.

8. IUCN Religion and Conservation. (2019). Religions and conservation: Priorities for sustainability. Gland, Switzerland: IUCN.

9. Stokes, P., & Selin, H. (2014). Religious engagement in climate change: An analysis of faith-based sustainability initiatives. Environmental Policy and Governance, 24(3), 145–157.

10. Brown, K., & Calnan, M. (2018). Religion and sustainable development: Case studies in Islamic and Christian contexts. London: Routledge.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى