في عالمٍ تحكمه المصالح لا المبادئ… هل القوة هي الضمان الوحيد للبقاء؟ أم أن هناك مكانًا للمثالية؟

إعداد : د/شيماء المتعب
دعونا نغوص داخل هذا الصراع الدائم ونكشف بعض الحقائق التى طالما إرتبطت بالهيمنة والسيطرة المرتبطة بالمصلحة لم يعد العالم ساحةً للأفكار النبيلة بقدر ما أصبح ميدانًا لتصارع المصالح. فخلف الشعارات اللامعة عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، تتحرّك الدول وفق حسابات دقيقة لا تعرف العاطفة، ولا تعترف إلا بمن يملك أدوات التأثير. في هذا السياق القاسي، يفرض السؤال نفسه: هل أصبحت القوة وحدها هي صكّ البقاء؟ أم أن للمثالية موضع قدم في هذا العالم المتوحش؟
التجربة التاريخية تقول إن الدول التي عجزت عن حماية نفسها، لم تشفع لها نواياها الحسنة ولا التزاماتها الأخلاقية. فالقوة، بمفهومها الشامل، لم تعد سلاحًا فقط، بل اقتصادًا متينًا، وتماسكًا داخليًا، وقدرة على الردع، وإرادة سياسية مستقلة. من دون هذه العناصر، تتحوّل الدولة إلى ساحة مفتوحة للتدخل، ويُعاد تشكيل قرارها الوطني وفق مصالح الآخرين. لذلك، تبدو القوة شرطًا أوليًا للبقاء، لا ترفًا ولا نزعة عدوانية كما يُروَّج أحيانًا.
لكن اختزال البقاء في القوة وحدها يحمل خطرًا آخر. فالقوة التي تنفصل عن القيم تتحوّل إلى بطش، وتفقد معناها الأخلاقي، بل وتزرع بذور سقوطها بيدها. التاريخ مليء بإمبراطوريات امتلكت القوة العسكرية والهيمنة، لكنها انهارت حين تآكلت شرعيتها، وانهارت ثقة شعوبها بها.
هنا يبرز السؤال الثاني: أم أن هناك مكانًا للمثالية؟والإجابة هنا تأتى بكل موضوعية
نعم، هناك مكان للمثالية، ولكن ليس بوصفها بديلًا عن القوة، بل بوصفها ما يمنح القوة معناها وحدودها. دعونا نؤكد هنا على أن المثالية ليست ضعفًا، وليست دعوة للتجرّد من أدوات الردع، بل هي الإطار الأخلاقي الذي يمنع القوة من الانزلاق إلى التوحش. هي الضمير الذي يذكّر الدولة لماذا تمتلك القوة، ولمن تستخدمها، ومتى تتوقف عن استخدامها.
المثالية الواقعية، إن صح التعبير صديقى القارئ المتلقي هي أن تمتلك القوة وتحسن توظيفها، لا أن تتخلّى عنها تحت وهم السلام الدائم، ولا أن ترفعها فوق كل قيمة إنسانية. فالدولة القوية العادلة أقدر على البقاء من دولة قوية ظالمة، ودولة ضعيفة “مثالية” في خطابها فقط.
في عالمٍ تحكمه المصالح لا المبادئ، تصبح القوة ضرورة وجودية، لكنها ليست الغاية. الغاية هي البقاء بكرامة، والسيادة دون فقدان المعنى، وحماية الوطن دون سحق روحه. لذلك، لا تُطرح القوة والمثالية كخيارين متناقضين، بل كمعادلة لا تستقيم إلا بهما معًا:
قوة تحمي، ومثالية تهذّب… وبدونهما يضيع البقاء أو يفقد قيمته.



