خيانة الدور ..الحقيقة القاسية

كتبت صفاء مهنا

حين تسقط الدولة ، يُقال عادة : إن المجتمع فشل في التعايش، لكن الحقيقة الأقسى هي أن الدولة خانت وظيفتها، فقُسِّم الناس ثم تُركوا يتقاتلون على أنقاضها.

فالدول التي انهارت لم تقع ضحية الصدفة، والمجتمعات لم تتشظَّ بسبب سوء حظ تاريخي، بل بفعل عقل سياسي يتشبّع بمقولة واحدة: “فرّق ثم احكم فوق الأنقاض”.

 

في هذه الجغرافيا المثقلة بالإرث والتنوّع، لم تُستثمر الاختلافات بوصفها مصدر غنى، بل حوّلت إلى أدوات للسلطة، وإلى خطوط تماس دائمة داخل الدولة الواحدة. هذه هي فلسفة عقل السلطة وليس عقل الدولة ، التي ترى في المجتمع الموحد تهديدًا، وفي المجتمع المتناحر فرصة للسيطرة. ما تحتاجه هذه السلطة هي شقوق دقيقة في الوعي الجمعي — طائفية، مذهبية، عرقية، جهوية — تتحوّل مع الوقت إلى هوّات سياسية واجتماعية يصعب ردمها.

 

عبر التاريخ، تحوّلت دول عديدة من إطار سيادي جامع إلى ساحات صراع على الهوية. عندما استُبدلت المواطنة بمفهوم الانتماء الأولي، وغابت القواعد العامة لصالح توازنات هشّة بين المكوّنات المتنافسة، لم يعد القانون مرجعية عليا، بل صار خاضعًا لتأويلات طائفية أو أمنية أو فئوية. وهكذا، تآكلت فكرة الدولة من الداخل قبل أن تتصدّع مؤسساتها على السطح.

 

حين تُختزل الهوية في بعدها الجزئي، يتحوّل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي. لم يعد التنافس حول البرامج أو السياسات، بل حول من يملك الحق في البقاء ومن يُقصى. وهنا تتحقق المعادلة الأخطر لسياسة “فرّق تسُد”: جماعات تشعر بالاكتفاء الذاتي، ودولة تُصوَّر بوصفها تهديدًا لا إطار حماية.

 

الفلسفة السياسية لا تنكر التنوّع، لكنها تحذّر من تحويله إلى صراع صفري. المجتمعات المتعدّدة لا تسقط بسبب اختلافها، بل حين تفشل في إنتاج معنى جامع لهذا الاختلاف.

الشرق الأوسط ليس استثناءً؛ مشكلته ليست فسيفساءه الاجتماعية، بل غياب مشروع سياسي قادر على تحويل هذه الفسيفساء إلى كيان وطني متكامل.

 

في هذا السياق، تطفو أطروحة هيغل حول الدولة التي تعرف بأنها ليست مجرد جهاز إداري أو أداة ضبط، بل التجسيد التاريخي للفكرة الأخلاقية، والإطار الذي تتحقق داخله حرية الفرد, وما حدث في كثير من دول الشرق الأوسط هو العكس تمامًا؛ إذ جرى تفكيك العلاقة بين الجزء والكل، وأُعيد تعريف الهوية بحيث يرى الفرد نفسه طائفة أو جماعة قبل أن يكون مواطنًا.

 

في هذا الواقع، يصبح “الاستقرار” مرادفًا للتوازن الهش، و*”التوافق”* اسمًا آخر للشلل، و*”الخصوصية”* ذريعة دائمة للفشل. تُنهب الدولة باسم حماية المكوّنات، ويُشرعن العجز بوصفه حكمة سياسية، ومع الوقت، لا يبقى من الدولة سوى رموزها بينما يتآكل مضمونها الأخلاقي والسياسي.

 

ليست الانقسامات الاجتماعية السبب الجوهري لسقوط الدولة، بل فشل الدولة نفسها في أداء وظيفتها الأساسية: حماية التعايش وإنتاج معنى جامع للمواطنة. كل شقّ في الوعي الجمعي، كل تهميش لهوية أو مكوّن، هو خطوة نحو انهيار داخلي لا يُنقذها تدخل خارجي.

عندما تتحول الدولة من بناء للوحدة إلى إدارة للانقسام، يصبح الانهيار ليس احتمالًا، بل مصيرًا محتومًا، تتحوّل معه الكُلّات المتصارعة داخل كيان واحد إلى التاريخ القادم، قبل أن يدرك الجميع حجم الكارثة و أن ما ضاع لم يكن النظام فقط، بل فكرة الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى