تمكين المرأة في مصر… من شعار سياسي إلى قوة تغيير حقيقية

تمكين المرأة في مصر… من شعار سياسي إلى قوة تغيير حقيقية

✍️ بقلم: د. ياسمين شكري

لم يعد الحديث عن تمكين المرأة في مصر مجرد خطاب إنشائي أو استجابة لاعتبارات خارجية، بل تحول إلى مسار واقعي تُترجم ملامحه في سياسات وتشريعات ومؤشرات تعكس تغيرًا حقيقيًا في بنية المجتمع والدولة. فتمكين المرأة اليوم لم يعد قضية فئوية، بل أصبح قضية تنمية وطنية شاملة، ترتبط بالأمن المجتمعي والاستقرار الاقتصادي وصناعة المستقبل.

المرأة المصرية، كغيرها من نساء القارة الأفريقية، لم تعد حاضرة في المشهد العام بوصفها عنصرًا داعمًا فقط، بل شريكًا أساسيًا في الاقتصاد والتعليم والصحة والسياسة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء نتيجة وعي متزايد لدى الدولة بأن أي مشروع تنموي لا يضع المرأة في قلبه، يظل مشروعًا منقوص الأثر والنتائج.

الأرقام هنا تحمل دلالات مهمة. وصول مشاركة المرأة في سوق العمل إلى نحو 18% عام 2024 يعكس مسارًا تصاعديًا لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والهيكلية التي يواجهها سوق العمل المصري. الأهم من الرقم ذاته هو الاتجاه العام، الذي يؤكد أن المرأة أصبحت جزءًا من معادلة الإنتاج والنمو، لا مجرد إضافة رمزية.

وتؤكد دراسات بحثية، من بينها دراسة صادرة عن مركز فاروس للدراسات، أن مصر باتت من الدول المتقدمة أفريقيًا في ملف تمكين المرأة، استنادًا إلى رؤية شاملة تربط بين تمكين المرأة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها مكافحة الفقر، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز المساواة بين الجنسين.

اللافت في التجربة المصرية، وفي التجربة الأفريقية عمومًا، هو اتساع مجالات تمكين المرأة لتشمل قضايا حديثة وحساسة، مثل الاقتصاد الأخضر ومواجهة التغير المناخي. فقد برزت مشاركة النساء في مشروعات إعادة التدوير والمبادرات البيئية، مثل مبادرة «الخردة باب رزق» في مصر، إلى جانب نماذج مشابهة في تونس وكينيا والمغرب، بما يعكس وعيًا متزايدًا بدور المرأة في تحقيق الاستدامة البيئية جنبًا إلى جنب مع التمكين الاقتصادي.

ولا يمكن فصل هذا التقدم عن الإرادة السياسية الداعمة. فإطلاق الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030، وتوسيع نطاق برامج الحماية الاجتماعية مثل «تكافل وكرامة»، يعكسان انتقال الدولة من مرحلة الخطاب إلى مرحلة التخطيط والتنفيذ. كما أن إعلان الاتحاد الأفريقي عام 2025 عن اتفاقية إنهاء العنف ضد المرأة يمثل خطوة محورية تؤكد أن التمكين يبدأ أولًا من حماية المرأة وصون كرامتها.

ورغم هذه الإنجازات، يظل التحدي الحقيقي في تحويل التمكين إلى مشاركة فاعلة في صنع القرار. فزيادة تمثيل المرأة في المناصب القيادية ومجالس الإدارة بنسبة 3% سنويًا، والسعي للوصول إلى 30% بحلول عام 2026، يشكلان اختبارًا جديًا لمدى استعداد المؤسسات لتغيير ثقافتها الإدارية، وليس الاكتفاء بتحقيق أرقام شكلية.

في المحصلة، فإن تمكين المرأة في مصر لم يعد ملفًا ثانويًا أو رفاهية سياسية، بل أصبح أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة. فالاستثمار في المرأة هو استثمار في مجتمع أكثر توازنًا، واقتصاد أكثر قدرة على الصمود، ومستقبل أكثر عدالة واستدامة. ومع استمرار هذا المسار، تواصل مصر ترسيخ مكانتها في مقدمة الدول الأفريقية، ليس فقط بالخطط والاستراتيجيات، بل بواقع ملموس تصنعه المرأة كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى