« نعم لقد نجوت… ولكن بدوني »

بين الإحياء و الإفناء

« نعم لقد نجوت… ولكن بدوني »

يكتبه المستشار : محمد منسى 

الكثير ممن نعرفهم أو لا نعرفهم يتعرضون الي أنواع من الصدمات الحياتية التي تأتي في صورة تصرفات أو قرارات أو سلوكيات مفاجئة عكس ما كانوا يعتقدون أو يتمنون والتي لم يتوقعوا ابدا حدوثها وخاصة إذا كانت صادرة من أشخاص غالبا يكونون من المقربين جدا كشريك الحياة أو العمل او الأصدقاء أو الزملاء وقد لا يتبادر الي اذهان المصدومين ان ما قد تعرضوا له من صدمة زلزلت كيانهم النفسي والفكري أو الحياتي بصورة عامة هي ليست فقط كما يتوقعون انها نتيجة الضغوط و الصعوبات الحياتية او التحديات او الإغواءات والتحريض والزن علي الودان كما يقولون فهناك نوع آخر من الاسباب يكمن في وجود ندبات نفسية وفكرية وسلوكية نتيجة لاحداث سابقة قد تكون في مرحلة سابقة حتي لو كانت منذ الطفولة ولم يتم التعافي منها.

في هذا المقال المركز لن اتحدث عن هذه الانواع من أسباب حدوث الصدمات أو حيثيات وجود الندبات النفسية والفكرية التي كانت هي المسببات الغامضة العميقة والغير مباشرة في التصرفات أو الأقوال أو السلوكيات الصادمة ولكني سأتحدث عن الناجين من هذه الصدمات و طبيعة النجاة لعلها تنير الطريق لضحايا الصدمات الحياتية بعد أن كانوا او هكذا يراهم البعض يسبحون في بحر من العسل العاطفي او المعيشي برفقة من يحبون أو من يظنون انهم برفقة من يحبونهم بحق…..

وفي العموم فإن من الناجين من يتعرض للصدمة والضغط النفسي والقلق والتوتر الممكن ان يتفاقم الي تأثيرات نفسية طويلة المدى مثل اضطراب ما بعد الصدمة. ومن الناجين من يظهرون مرونة ملحوظة وقدرة على التعامل مع الشدائد، بينما قد يعاني بعض الناجين من الخدر العاطفي أو التفكك كنوع من التكيف. وهناك ناجون من نوع اخر يظل يواجه اعراض صعيبة مثل اليقظة المفرطة فيظلون على أهبة الاستعداد دائمًا، ويتوقعون كارثة أو تهديدًا آخر.

ناهيك عن ان الكثير من الاشخاص الحقيقين ومن لديهم افراط في العطاء يعانون من الحزن الشديد و الاحساس بالخسارة الكبيرة، الأمر الذي قد يكون ساحقًا لهم.

البعض قد يحاول التكيف من خلال التمارين الرياضية أو الدعم الاجتماعي أو العلاج، بينما قد يلجأ البعض الآخر إلى آليات سلبية مثل تعاطي المخدرات، بينما البعض الاخر قد يكون لديه قدر معقول من التفاؤل أو الانبساط أو العصابية، التي يمكن ان تؤثر على كيفية استجابة الأشخاص للصدمات.

أما البعض الآخر فقد لا يكون لديه اي قدرة على التأقلم.

وبالطبع فان شدة الصدمة و طبيعتها يمكن أن تؤثر على حجم ووزن وثقل التأثيرات النفسية ومدتها.

وعليه فقد يفكر بعض الناجون في تجربتهم ويحللونها من منظور منفصل، بينما قد يواجه آخرون صعوبة في فهمها. وقد يبحث الناجون عن المعنى أو الهدف في تجربتهم، مما يؤدي غالبًا إلى النمو الشخصي والتحول، بينما قد يركز بعضهم على حل المشكلات المتعلقة بالكارثة، باستخدام ذكائهم لاستعادة السيطرة مرة اخري من وجهة نظرهم. 

علي الجانب الاخر فقد ينخرط بعض الناجون في تأمل ذاتي مكثف، وفحص قيمهم وأولوياتهم وخيارات حياتهم.

ولكن.. ماذا عن النجاة في حد ذاتها ؟؟

وهنا سأبدأ بالحديث من منظوري المباشر واقول …” لقد نجوت … ولكن بدوني” …وذلك عندما تكون النجاة من منظور أحيائي وليس وجودي.

بالفعل وبفضل من الله وحده، فلقد عبر الجسم بفسيولوجيته، و لكن فيما وراء الواقع فإن الذات الأصلية قد تأذت كثيرا بل و تضررت عند تخطيها لمعبر النجاة.

كثيرا ما يحدث او يمكن القول ان ذلك في العادةً فإن النجاة يمكن ان تُصوَّر كنهاية سعيدة،وأما عندي فهي بداية مزيج من الاحاسيس المتكاملة والمشاركة والمتراكبة من الوحدة و الوحشة و الاغتراب والاشمئزاز والذهول وعدم التصديق……

نعم ، نجوتَ ، لأني تعلّمت كيف أتخلّى وكيف ادافع عن تلك الذات التي تعرضت لأقسي الهجمات البربرية الهمجية البشرية من النفوس الغير سوية و غير المطمئنة وغير اللوامة لذاتها …..

نعم تغيّرت لأن ما كان سببا في إنقاذي هو نفسه ما تسبب في شروخ ملامح نفسي نتيجة لغارات الجحود والانكار والكفران من كل من لا يصون عهدا ولا يستر زلة ولا يقر بمعروف ولا يشكر جميل ولا يصون النعمة ولا يعترف بالجميل ولا يحفظ عهدا ولا يتبع نبيا ولا يطيع رسولا ولا يراعي عرفا ولا يتحري صدقا ، ولا يتقي الإله الذي خلق فسوي ، وألهم النفوس فجورها وتقواها فاختاروا ” قد خاب من دساها” بدلا من ” قد أفلح من زكاها ” …

نعم نجوت، لأني بفضل من الله المعين علي الخير والمستعان علي غيره، الإله المتفرد بالألوهية والقدرة علي المخلوقات كلها في آن واحد فهو سبحانه القادر القدير المقتدر ، نعم ، امتلأت يقينا في لطف وستر ورحمة ورأفة وحنان وعفو وقدرة مالك الملك والملوك والملكوت علي ان يغفر للعباد ما لاتغفره العباد لبعضهم البعض، وذلك لشديد ما بهم من نقص مخل و علل نفس لا يعلم بمدى تدنيها الا بارئها فباتت تحكم علي العباد وتتحكم وكأنها ذوات ملائكية خالية من العبر..

لم أعد “ الشخص الاول بذاته ” لأن النسخة التي كانت تحب، تثق، تحنو ، ترأف وتندفع بشغف……، لم تكن صالحة للبقاء في نفس المضمار.

هذه ليست هزيمة، بل هي ثمن فادح وضريبة مقابل حدوث الوعي المدرك بعد الصدمات.

في افضل الحالات فإن من ينجو بعمق، قد يخرج من الصدمة شخصًا آخر، كما ذكرت في مقدمة المقالة، شخصا آخر أقرب للحقيقة و أكثر حذرًا، أقل اندفاعًا، واشد صلابة في صد الهجمات – الوحشبشرية – ان صح التعبير – بل واعظم قوة في القدرة علي ضرب منصات إطلاق قذائف الشر بلا حول ولا قوة الا بالله الذي بيده ارواح ونفوس وانفاس المخلوقات ، فالحياة كالحرب ، سجال….أيام لك وأيام عليك ، لذا، فليحذر كل من سولت له نفسه الحاق الأذي بلا رحمة فليحذر من جحافل جنود السماوات والأرض فإن الدرس عظيم ومن اختار الطغيان والعقوق و الكفران وخيانة العهد مع القاهر القهار القادر القدير المقتدر وما ادراك ماقدرة الإله الملك الواحد الأحد المتفرد بالألوهية والقدرة علي المخلوقات فهو الذي قهر مخلوقاته بالموت والفناء..… 

يخرج من الصدمة بإذن الله ، كل من كتب الله له النجاة ليصبح بعون الله ، أبعد عن البراءة او علي الاقل أبعد عن البراءة العاطفية أو بمعني أصح السذاجة.. ولو أردنا التعبير عن ذلك فلسفيًا ، فقد يمكننا القول،: “إن النجاة لا تعيدنا كما كنا، بل تُبقينا أحياء بما يكفي لندرك من فقدناه في الطريق، وهي ” أنفسنا القديمة ” ، قبل أن تتأذي أو يلحقها الضرر من سفهاء الخلق اصحاب النفوس المتحولة الي خراب باختيارها للغلو والعلو و اتباعها للشيطان بدلا من تزكيتها لنفسها و فلاحها في إنقاذ نفسها من الزلل العظيم والتعرض للغضب العظيم من رب السماوات والأرض والملائكة والشياطين .

لقد نجوت ،.. لأن الخالق يسمع ويري ويرصد وتكتب ملائكته كل كبيرة وصغيرة ويحصون كل ما تضمره النفوس وكل ما أراده العصاة لعباد الله من العبوس..

نجوت وليس في نفسي اي جنوح او رغبة للدمار ولكني لن أعود ابدا الي ذلك العمار مع من اختاروا الهدم و الانهاء والإفناء بل و الدمار لكل ما كان يوما رمزا للعمار ….

ليس الناجون كلهم سواء ، ..

الناجون من الغرق ليسوا كالناجين من الحرق، والناجون من الزلازل ليسوا كالناجين من الزلل، هذا لأن هناك فرق كبير في الحدث والوقوع والأثر بين البلاء و بين الابتلاء ، لأن البلاء قد يكون ابتلاء تطهيريا أو قد يكون حسابا عقابيا ، أما الابتلاء ففي معظمه رحمة وطهر يختص بها الاله من يشاء من عباده ليسقط عنه الذنوب و الخطايا ويرفع له الدرجات ويمن عليه بالعطايا.

نعم نجوت لانني عثرت مرة اخري علي نفسي .

بعد أن فقدتها وافتقدتها لمدة ليست بالقصيرة ولا الطويلة عندما كنت اتجول في ملهي الظنون و مزيج التوقعات البريئة وما تلاها من الخذلان الخسيس من أطراف كنت أظنني عندهم غير رخيص، نتيجة لافتراضات خاطئة تصدرتها محاولاتي لإرضاء كل من حولي.

واحمد الله كثيرا اني قد وجدتِها لاتزال صامدة، أكثر حكمة مما كانت عليه سابقا ، فنفسي الآن لا تتوقع تقليلا ولا تصفيقا ولا ترتعب من الوحدة.

نعم نجوت لأنني قد عثرت علي نفسي التي لم تعد كما كانت فترة ما قبل الصدمات

بل هي بالفعل لا ترغب في ان تعود الي ما كانت عليه ، فهي الآن أقرب، أنضج، وأقوى. 

بالإنابة عن الناجين فقد حان وقت النصيحة :

بناء علي قول الله سبحانه هو القدوس القيوم القهار بنوره :

” مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”

فياصديقي القارئ لا تغرنك منازل الناس في الدنيا فحتما سيعاد الترتيب في الآخرة

وفقا الي قول مالك الملك والملوك والملكوت

رب العزة والقدرة والجبروت ، رب العرش والملائكة والروح ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم)

Fb\Mostashar Mansy

مؤسس مبادرة مصر أمان ونماء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى