شفرات الفقد وتراتيل العدم. .قراءة في رثائيات

شفرات الفقد وتراتيل العدم.. قراءة في رثائيات

 الشريف الرضي والمتنبي والمعري

بقلم د. عمر محفوظ

 كاتب وناقد 

تظل تجربة “الموت” في الشعر العربي هي المحرك الأكبر للطاقات الجمالية، حيث تتحول اللغة من أداة للتوصيل إلى وسيط “متافيزيقي” يحاول ردم الهوة بين الكينونة والعدم. وفي هذه القراءة، نسعى لفك شفرات النص “الرضوي” (نسبة للشريف الرضي) ومساءلته في ضوء جيرانه من عمالقة الرؤية الوجودية: المتنبي، والمعري، وابن الفارض.

أولاً: بنية النص عند الشريف الرضي (الرضا القدري)

ينطلق الشريف الرضي في رثائيته من بنية “الاستسلام الواعي”. إن استخدام الرضي للبحر الطويل يمنح النص نفساً ملحمياً هادئاً، يتسق مع رؤيته للموت بوصفه “فطاماً”.

إننا أمام “بلاغة الاعتراف”؛ فالموت ليس عدواً يُحارب بقدر ما هو “حقيقة بنيوية” في نظام الكون. حين يقول الرضي: «وفي أيدي الردى طرف الزمام»، فإنه يرسخ لصورة “الإنسان المسير” لا المخير، وهي استعارة مركزية تُلغي مركزية الذات لتضعها في مدار القدر الإلهي، مما يمنح النص صبغة صوفية “هادئة” تقبل الألم كجزء من دورة النضج الروحي.

ثانياً: صدام الذات (المتنبي) مقابل هدوء المعرفة (الرضي)

على النقيض من “تأدب” الرضي مع الموت، نجد أبا الطيب المتنبي يمارس نوعاً من “المقاومة اللغوية”. الموت عند المتنبي هو “لص” يسطو على العظماء، ولغته مشحونة بالتوتر الدرامي.

بنيوياً، تتحرك قصيدة المتنبي من “الأنا” المتضخمة التي ترى في موت العزيز إهانة شخصية لها، بينما تتحرك قصيدة الرضي من “الكون” نحو “الفرد”. الرضي يرى في القبر مستقراً للمجد، بينما المتنبي يراه غباراً يتراكم فوق جبين الطموح.

ثالثاً: العدمية الباردة (المعري) والإشراق الفنائي (ابن الفارض)

عندما نضع الرضي في مواجهة أبي العلاء المعري، نكتشف الفرق بين “الرثاء الإيماني” و”الرثاء الفلسفي”. المعري ينزع “القداسة” عن الجسد المحمول على الأكتاف، محولاً إياه إلى مجرد مادة تعود لأصلها الترابي ببرود هندسي. أما الرضي، فيبقي على “خيط الرجاء” موصولاً، محولاً الموت إلى “نشيد حمام” يوحي بالاستمرارية لا بالانقطاع.

أما مع ابن الفارض، فإن التجربة تخرج من حيز “الرثاء” إلى حيز “الاتحاد”. الرضي يقف على العتبة، يرى الموت “فطاماً” (انفصالاً مؤلماً)، بينما يراه ابن الفارض “وصلاً” (التحاماً كلياً). الرضي يبكي “المفارق”، وابن الفارض يغني لـ “العائد”.

رابعاً: الخلاصة التركيبية

إن رثائية الشريف الرضي تمثل – في تقديري – “نقطة الارتكاز الذهبية” في تاريخ الشعر العربي. إنها القصيدة التي نجحت في ترويض “وحشية الموت” لغوياً، دون أن تسقط في فخ العدمية اليائسة أو الغلو الصوفي الذي يغيب الواقع.

لقد صاغ الرضي “مانيفستو” للصبر العربي، محولاً الفاجعة من صرخة حادة إلى “تأمل فلسفي باذخ”. إنها لغة لا تكتفي برثاء الراحلين، بل ترمم انكسار الباقين، وهذا هو الدور الحضاري الأعلى للشعر.

_____

قصيدة

 الشريف الرضي

عَجِزنا عَن مُراغَمَةِ الحِمامِ

وَداءُ المَوتِ مُغرىً بِالأَنامِ

وَما جَزَعُ الجَزوعِ وَإِن تَناهى

بِمُنتَصِفٍ مِنَ الداءِ العُقامِ

وَأَينَ نحورُ عَن طُرُقِ المَنايا

وَفي أَيدي الرَدى طَرَفُ الزَمامِ

نَوائِبُ ما أَصَخنَ إِلى عِتابٍ

يَطولُ وَلا خَدِرنَ عَلى مَلامِ

هِيَ الأَيّامُ تَأكُلُ كُلَّ حَيٍّ

وَتَعصِفُ بِالكِرامِ وَبِاللِئامِ

وَكُلُّ مُفارِقٍ لِلعَيشِ يَلقى

كَما لَقِيَ الرَضيعُ مِنَ الفِطامِ

وَكَم لِيَدِ النَوائِبِ مِن صَريعٍ

بِداءِ السَيفِ أَو داءِ السَقامِ

فَمَن وَرَدَ المَنِيَّةَ عَن وَفاةٍ

كَآخرَ عاثِرِ العِرنَينِ دامِ

وَلَو أَمِنَ الجَبانُ مِنَ المَنايا

لَأَغمَدَ سَيفَهُ البَطَلُ المُحامي

وَما يَغتَرُّ بِالدُنيا لَبيبٌ

يَفِرُّ مِنَ الحَياةِ إِلى الحِمامِ

تُنافِرُ ثُمَّ تَرجِعُ بَعدَ وَهنٍ

رُجوعَ القَوسِ تَرمَحُ بِالسِهامِ

خُطوبٌ لا أُجِمُّ لَها جَوادي

وَعَزمٌ لا أَحُطُّ لَهُ لِثامي

رَأَيتُ المَوتَ يَبلُغُ كُلَّ نَفسٍ

عَلى بُعدِ المَسافَةِ وَالمَرامِ

سَواءٌ إِن شَدَدتُ لَهُ حَزيمي

زِماعاً أَو حَلَلتُ لَهُ حِزامي

عَزاءَكَ ما اِستَطَعتَ فَكُلُّ حُزنٍ

يَؤولُ بِهِ الغُلوَّ إِلى الأَثامِ

وَعُمرُ المَرءِ يَنقُصُ كُلَّ يَومٍ

وَلا عُمرٌ يَقَرُّ عَلى التَمامِ

وَما تُنجي الدُموعُ مِنَ المَنايا

فَتُرسِلَها بِأَربَعَةٍ سِجامِ

وَكُنّا عِندَ مُختَلِفِ اللَيالي

وَكَرِّ الدَهرِ عاماً بَعدَ عامِ

إِذا أَخَذَ الرَدى مِنّا رَجَعنا

إِلى صَبرٍ يُشَرِّدُ بِالغَرامِ

وَكانَ الصَبرُ يَقبِضُ كُلَّ وَجدٍ

كَما قَبَضَ الصَباحُ مِنَ الظَلامِ

وَفي حُسنِ العَزاءِ لَنا مُجيرٌ

يُخَلِّصُنا مِنَ الكُرَبِ العِظامِ

أَساكِنَةَ التَرابِ وَكُلُّ حَيٍّ

جَديرٌ أَن يُغَيَّبَ في الرِجامِ

تَقَنَّصَكِ الرَدى عَرَضاً وَأَمسى

يُجاذِبُكِ المَسيرَ عَنِ المُقامِ

وَلَجلَجَ مَن نَعاكِ وَكُلُّ ناعٍ

يُجَمجِمُ أَو يُلَجلِجُ في الكَلامِ

وَكُلُّ حَشىً عَليكَ كَأَنَّ فيهِ

سِنانَ الرُمحِ أَو طَرَفَ الحُسامِ

أَيا قَبراً تَقَسَّمَ كُلَّ صَبرٍ

وَقَلقَلَ عَبرَةَ المُقَلِ الدَوامي

أَقامَت فيكَ ماجِدَةٌ حَصانٌ

كَماءِ المُزنِ مِن بيضِ الخِيامِ

تَطَرَّقَكَ النَسيمُ مِنَ الخُزامى

وَدَرَّت فيكَ أَنواءُ الغَمامِ

وَأَصبَحَتِ الشِفاهُ عَلَيكَ فَوضى

تَهافَتُ بِالتَحِيَّةِ وَالسَلامِ

فَما بَكَتِ الحِمامُ عَليكَ إِلّا

كَما غَنَّتكَ أَصواتُ الحَمامِ

أَلا لِلَّهِ كُلُّ فَتىً أَبيٍّ

عَزيزِ الأَنفِ يَغضَبُ لِلذِمامِ

يُجيرُ مِنَ الزَمانِ إِذا تَغاوى

بِصَبرٍ لِلنَوائِبِ وَاِعتِزامَ

وَأَيّامٍ تُفَلِّلُ مِن غُروبي

عَلى مَضَضٍ وَتُنقِصُ مِن عُرامي

تَلاعَبُ بي أَماماً أَو وَراءً

طِرادَ الشَيخِ يَلعَبُ بِالغُلامِ

بَراني الدَهرُ سَهماً ثُمَّ وَلّى

فَجَرَّدَني مِنَ الريشِ اللُؤامِ

وَها أَنَذا أَبُثُّكَ كُلَّ بَيتٍ

رَقيقِ النَسجِ رَقراقِ النِظامِ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى