تقديم نقدي..بقلم: د. عمر محفوظ

تقديم نقدي

بقلم: د. عمر محفوظ

أستاذ البلاغة والنقد الأدبي

ليست مسرحية «الزهراء: عشقٌ أجَّله الكِبْرُ وطوَتْهُ الحربُ» للشاعر محمد حافظ استدعاءً تاريخيًا لحرب البسوس بقدر ما هي تفكيك جمالي لعقلية الصراع حين تتحول إلى بنية ذهنية مغلقة، تستعيد ذاتها في كل زمان، وتغيّر أقنعتها دون أن تغيّر جوهرها. فالنص لا يشتغل على الحدث التاريخي، بل على آليته: كيف يولد الدم من فكرة، وكيف تُصادَر الحياة باسم الكرامة، وكيف يصبح الحب فائضًا أخلاقيًا لا مكان له في منطق السيف.

تنهض الزهراء في هذا العمل بوصفها مركز الثقل الدلالي، لا لأنها أنثى محبوبة، بل لأنها تمثل وعيًا هشًّا محاصرًا بين سلطتين: سلطة القبيلة وسلطة الثأر. إنها ليست ضحية ساذجة، بل كائن يرى الخراب ويدرك عبثيته، غير أن إدراكه لا يمنحه القدرة على الفعل. وهنا تتجلى المأساة في صورتها الأعمق: الوعي بالعجز، لا الجهل بالمصير.

أما أبو نويرة، فيتشكّل بوصفه نموذجًا للوعي الرومانسي المأزوم، الذي يحاول أن يهزم السيف بالسيف، فيسقط في التناقض ذاته الذي يحاربه. إنه العاشق الذي يظن أن الخلاص يمر عبر منطق الخصم، فيكتشف – متأخرًا – أن الدم لا يلد إلا دمًا.

وتأتي اليمامة بوصفها أكثر الشخصيات تماسكًا دراميًا؛ لأنها تمثل الذاكرة وقد تحولت إلى سلطة قهر، والتاريخ وقد صار ذريعة للقتل. إنها ليست شريرة بالمعنى الأخلاقي، بل أسيرة فكرة مطلقة، والفكرة حين تُنزَع منها إنسانيتها تصبح أشد قسوة من السلاح.

لغويًا، يعتمد النص على شعر حر ذي نفس غنائي واضح، تتكاثف فيه الصورة والاستعارة والتكرار الإيقاعي. وقد عُولج في هذه النسخة ما شاب بعض المواضع من تقريرية أو انزياح زمني غير محسوب، بحيث يستعيد النص توازنه بين الرمز والمرجع، وبين الغنائية والفعل الدرامي.

إن «الزهراء» مسرحية عن استحالة الحب داخل بنية العنف، وعن الإنسان العربي حين يُطالَب بأن يختار بين أن يكون وفيًّا للموت أو خائنًا للحياة. وهي، في جوهرها، نص مأساوي حديث كُتب بمداد قديم، ليقول إن الحروب لا تموت، بل تغيّر أسماءها.

الزهراء

(عشقٌ أجَّلهُ الكِبْرُ وطوَتْهُ الحربُ)

مسرحية شعرية

التعريف بالزمن والمكان والشخصيات

الزمن: عصر ما قبل الإسلام – زمن حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب.

المكان: ربوة مرتفعة تحيط بها الرمال، أمامها قصر متواضع ذو سور يحرسه الجند، وبين الربوة والقصر ممر رملي.

الشخصيات:

• الزهراء: أخت كليب والزير سالم.

• أبو نويرة: من بني تغلب، عاشق الزهراء.

• اليمامة بنت كليب: ابنة كليب.

• كليب: أخو الزهراء، زوج الجليلة.

• الزير سالم (المهلهل): أخو كليب، طالب الثأر.

• جساس: قاتل كليب.

• لبيد الغساني، التَّبَع اليماني: عامل الملك الكندي على اليمن.

المشهد الأول

(فوق الربوة. الزهراء جالسة متشحة بالسواد. يمر أبو نويرة.)

الزهراء:

جرُؤَت عيناك لهذا الحد

فتعمى أن تلمح

غُصنَ الزهراءِ؟

إذا تمشي اهتزت الأرضُ

وسرت في جنبات الحي الضوضاء،

تختلط الأنباءُ برؤوس الناس

وتضيع الأشياء.

أبو نويرة:

زهراءَ القلب،

العين هي العين،

لكن حين تنفّس هذا الصبح خشيتك.

كيف لروحٍ في جسدٍ طينيٍّ مثلي

أن تلمح غصنًا نورانيًا مثلك؟

كيف لعين العاجز أن تدرك؟

الزهراء:

أخجلتَ القلب النابض في جنبيَّ،

فكيف تجيئك الكلمات الوَلْهى

فتحار حروفي حين رأيتك

في جنبات الغصن النوراني

طَلعةً عُمدة؟

أبو نويرة:

كلماتي لا ترقى سدرة كلماتك،

ومعاني الحال سرجُ خيال.

ألمح غصنك حين يطل الصبح

وحين يهل المساء.

تنطلق الفرس،

ولا أدري كيف يسابق حرفي،

وعلى ممشى عينيك تخور الظلال.

أتقلب نفسًا في نفس،

وقلبًا في قلب،

مذ شفتك

شفّت الروح وغادر السيف غمده.

الزهراء:

ما زلتَ تراني

أجمل زهرة فُلٍّ في بستانك،

رغم شقاء السنوات

وخط العمر المقهور

بتلك العينين المسرعتين

في الترحال على خدَّين أنهكهما الدمار.

ما زلتَ تراني

رغم سواد القلب وثقل الروح

نهارًا.

أبو نويرة:

ما زلتُ أراك غزال القلب الشارد،

ما زلتُ أراك العمر الهارب.

كيف استُؤسِرَ عصفورٌ

في قصر لبيد؟

مذ أُطلق سهم كليب

ورُفض اجتماع النور والطين،

واشتعلت نار لا تُطفأ،

وانقسم الناس قسمين:

فوقٌ يرى نفسه حقًّا مطلقًا،

وتحتٌ يُسحق وإن تغيّر الاسم.

منذ عشقتك تأبى عيني

أن ترى غيرك.

الزهراء:

أبا نويرة…

دوننا قتل ودم،

وكليب،

والزير المسافر خلف ثأر لا ينام،

ويمامة ركبت جنون الطلب

تريد عودة المقتول.

أتظن أن القتيل يعود؟

فنلم هذا العمر،

ويجري نهر الحب

جامعًا ما تفرّق؟

أبو نويرة:

الناس غير الناس،

والأرض غير الأرض،

والعرض يُنتهك باسم حمايته.

الزهراء:

أنا نصفان:

نصف تقتله الحدود،

ونصف تتيهه الممالك الزائلة.

بين عرشٍ لا يدوم

وكرسيٍّ خَرِب.

المشهد الثاني

(الزهراء وحدها. يدخل أبو نويرة.)

الزهراء:

أخشى عليك يا أبا نويرة،

أخشى عليك من أهلي ومني،

أن تظل معلّقًا

ويداك تبحثان عن يديّ.

أبو نويرة:

زهراء،

قتلوا هوانا منذ عرفتك،

ليتهم قتلوا أراجيف المدينة.

الزهراء:

الرياح تهب من كل ناحية،

والعهد القديم يعود بلا أقنعة،

والكل يشعلها ثم يفرّ.

والزير… ليث يترقب.

أبو نويرة:

والحب؟

الزهراء:

الحب لا ينمو

على أرض الخيانة.

الحب كالوطن الممزق

بين أنياب اللصوص.

أبو نويرة:

لستُ الجبان.

لو ألف جساس

لاجتزت القفار.

السيف نصف الحق،

والوعي اكتماله

في عصر الانكسار.

الزهراء:

بالأمس كِبرُ كليب،

واليوم حرب المهلهل.

أبو نويرة:

الرأس مهر،

والعشق مهر،

والعاشقون تمائم

في جيد هذا الدهر.

سأعود يا زهراء.

المشهد الثالث والأخير

(الزهراء تنتظر. تدخل اليمامة.)

اليمامة:

سيطول انتظارك،

فالركبان أذاعوا الأنباء.

الزهراء:

الحقد في قلبك لا يهدأ.

اليمامة:

هل هان كليب عليك؟

هل مات الثأر لأجل العشق؟

الزهراء:

لو مات لمتنا،

لكن الثأر جنون.

(تظهر فرس أبي نويرة، وعليها جثته.)

الزهراء:

أهو هو؟

أم اشتبه الحب؟

(ترى وجهه)

الآن يا كليب…

الآن متُّ مرتين.

(غناء)

للحب أغنيتي

التي أجّلتها

عامًا فعام.

الحب سوسنة

تموت

كما نموت مع الزحام.

أصوات نسائية:

الحب سوسنة

تموت

كما نموت مع الزحام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى