عن فيلم «الست» … حين تخون المعالجة الفكرة

*كتبت: د. شيماء عمارة –
عن فيلم «الست» … حين تخون المعالجة الفكرة
عن فيلم «الست»، للكاتب أحمد مراد وبطولة منى زكي، أتحدث.
شاهدته منذ أيام، وخرجت منه بإحساس ثقيل لا دهشة، لا أثر، ولا إضافة حقيقية تسعدني كمتلق، أو حتى تُربكني بما يكفي لأعيد التفكير فيما شاهدت.
لم أجد أم كلثوم.
وليس لأن الفيلم قرر – نظريًا – الاقتراب من زوايا مختلفة عن الصورة المألوفة، فذلك في حد ذاته اختيار مشروع ومغر دراميًا، بل لأن هذا الاختيار لم يُصاحب بخط درامي واحد واضح تمسك به صناع العمل وساروا خلفه حتى نهايته.
محاولة تفكيك شخصية أسطورية بحجم أم كلثوم تحتاج إلى رؤية حاسمة
إما أن تقدم بوصفها إنسانة خلف الأسطورة
أو أسطورة تعيد ابتلاع إنسانيتها، أو صراعًا دائما بين الاثنين.
أما أن تطرح محاولات نقدية مبعثرة، دون مركز ثقل درامي، فذلك لا يُنتج إلا عملا مهتزا، لا يعرف ماذا يريد أن يقول، ولا كيف يقوله.
*أخطاء بصرية تفضح الارتباك الزمني*
الديكور والملابس – خصوصا في مشاهد المجاميع والأدوار الثانوية . جاءت غير موفقة، بل ومربكة، مع غياب واضح للتماسك الزمني بين الفترات المختلفة.
وهو خطأ لا يُغتفر في عمل يُفترض أنه سيرة بصرية لزمن، لا مجرد حكاية تروى.
السينما هنا لم تساعد الذاكرة، بل شوشتها.
*نجوم بلا حضور*
النجوم الكبار المشاركون في الفيلم لم أز حتى ظلهم.
وجودهم كان باهتًا إلى درجة أن ملامحهم تلاشت داخل مشاهد لا تمنحهم مساحة ولا معنى، فبدوا كأسماء على الأفيش أكثر منهم شخصيات حقيقية داخل نسيج العمل.
أما منى زكي – وهي ممثلة قدمت أدوارًا مفصلية في مسيرتها – فلم يضف لها هذا الدور شيئا.
الأداء جاء مسطحا، بلا قوس للتطور النفسي، وبلا لحظة انكسار أو تجلٍ يمكن الإمساك بها.
لا خط تصاعد، ولا ذروة ولا حتى مخاطرة أدائية تحسب لها.
*غياب المشهد القائد*
لا يوجد Master Scene واحد يستطيع المشاهد أن يتشبث به، ويُسلم له مشاعره، ويسير خلفه.
الفيلم يفتقد إلى مشهد قائد يُعيد ترتيب الذاكرة العاطفية للمتلقي.
ما قدم هو مجموعة مشاهد منفصلة Discrete Scenes))، بلا ترابط عضوي حقيقي، لا تقود إلى أم كلثوم المعروفة، ولا تكشف غير المعروفة منها.
شخصية بلا ملامح داخل فيلم عن أكثر الشخصيات وضوحًا وتأثيرًا في الوجدان العربي.
*ذاكرة فارغة*
لن تجد شيئًا يعلق بذاكرتك بعد الخروج من قاعة العرض.
ما قدم مشاهد بلا لون بلا صفاء ذهني، بلا أثر شعوري متماسك.
ولولا صوت أم كلثوم الحقيقي، وبعض الصور الأرشيفية، لانهار الفيلم تماما، وكان العمود الفقري للعمل ليس دراميًا، بل توثيقيا مستعارًا.
*إنتاج ضخم… بلا عقل يقوده*
هذا العمل لم يكن فقط مستحقا لإنتاج ضخم يليق باسم أم كلثوم، بل كان مستحقا – قبل كل شيء – لعقول ضخمة تعرف كيف تدير هذا المال، وكيف تحوّله إلى رؤية، لا إلى زحام مشاهد.
كان من المفترض أن يكون عملا عالميًا، لا لأن الشخصية عالمية، بل لأن المعالجة يجب أن تكون كذلك.
*تقاطع مشوه*
ولا يمكن إغفال اعتراض الروائي الأستاذ محمد بركة، وتقاطع بعض أفكار الفيلم مع ما قدمه في روايته «حانة الست»، لكن للأسف جاء التقديم مشوها، فاقدًا لعمقه الإنساني والفكري، وكأن الفكرة سحبت من سياقها وأفرغت من معناها.
*الصوت … حين يُستبدل الأصل بالحل الأسهل*
ومن أكثر الاختيارات إرباكا في الفيلم، استخدام صوت “نسمة محجوب” في عدد من الأغاني التي تعود إلى بدايات شهرة أم كلثوم، في مرحلة طفولتها وصباها، بدلا من اللجوء إلى التسجيلات الأصلية المتاحة.
وربما كان الدافع إلى هذا الاختيار هو ضعف جودة تلك التسجيلات القديمة للمشاهد المعاصر… ما دفع صناع العمل إلى البحث عن حل بديل، ظنا منهم أنه أكثر قبولا سمعيا، غير أن هذا الحل، في حقيقته، جاء ضعيفًا فنيا ودلاليا.
فنحن لا نتحدث هنا عن فيلم غنائي متخيل، بل عن سيرة فنية لرمز حقيقي يملك تاريخا صوتيا محفوظاً، حتى وإن كان مهتزا تقنيا.
وفي زمن بلغت فيه تقنيات الترميم الصوتي، والفلاتر الرقمية، ومعالجة التسجيلات القديمة مستويات عالية من الدقة والاحتراف، كان من الممكن بل من الواجب – العمل على تنقية وتقوية الصوت الأصلي بدل استبداله.
الصوت في حالة أم كلثوم ليس مجرد وسيلة غناء، بل وثيقة تاريخية، وبصمة لا يمكن فصلها عن تكوين الشخصية.
واستبداله بصوت آخر، مهما بلغت جودته أو جماله، يحدث قطيعة شعورية بين المتلقي والشخصية، ويُفقد التجربة صدقها، ويعمق الإحساس بأن ما نراه ليس أم كلثوم، بل تمثيلا عنها.
هكذا، بدل أن يكتمل البناء السمعي للشخصية، جاء هذا الاختيار ليضاف إلى سلسلة من القرارات التي فضلت الحل الأسهل على الحل الأدق، وأضعفت إمكانية تقديم أم كلثوم الحقيقية بكل تاريخها الفني الموجود بيننا، لا المعاد تخيله.
*ومن الأداء إلى الملامح… حين تسقط الذاكرة البصرية*
وإذا كان الأداء قد جاء باهتًا، فإن الصورة البصرية للشخصية لم تكن أوفر حظا.
واحدة من أكثر نقاط الضعف الفادحة في الفيلم تمثلت في سوء المكياج، لا لأنه لم يُجمل منى زكي، بل لأنه فشل تماما في الاقتراب – ولو على مستوى الإيحاء – من شكل أم كلثوم.
المشكلة هنا ليست في غياب التشابه الحرفي، فذلك مستحيل وغير مطلوب على الشاشة… وإنما في فقدان الذاكرة البصرية التي تعيد استدعاء الشخصية فور ظهورها
أم كلثوم ليست مجرد وجه محفوظ في الصور، بل تكوين ملامح، ونسب و حضور تشكله تفاصيل دقيقة تراكمت في الوعي الجمعي عبر عقود.
المكياج جاء معاصرا، ناعمًا، أقرب إلى ملامح منى زكي ولكن بطريقة مشوهة، دون أي محاولة جادة لإعادة نحت الوجه بما يخدم الزمن والشخصية.
وهنا سقط الإيهام، وسقطت معه أولى درجات التصديق، ليظل المشاهد واعيا طوال الوقت بأنه يشاهد ممثلة تؤدي دورًا ، لا شخصية تتجسد أمامه.
في أعمال السيرة الذاتية، المكياج ليس عنصرًا تجميليا، بل أداة سرد، وعندما تهمل هذه الأداة، يختل البناء من أساسه.
*وحين يتهاوى الشكل … ينهار المحتوى أيضا*
ولا يقف الخلل عند حدود الشكل، بل يمتد إلى المضمون، حيث وقع الفيلم في أخطاء طبية وتاريخية لا يمكن التغاضي عنها، خصوصا فيما يتعلق بتشخيص مرض أم كلثوم.
قدمت معلومات ملتبسة، غير دقيقة، وأحيانًا متناقضة مع ما هو موثق تاريخيا، وهو أمر بالغ الخطورة في عمل يتناول شخصية حقيقية، لأن السينما تصنع وعيًا عاما، وقد ترسخ الخطأ بوصفه حقيقة.
المشكلة لم تكن في الخطأ الطبي وحده، بل في توظيف المرض دراميًا بوصفه أداة عاطفية سطحية، لا اختبارًا إنسانيًا حقيقيا لامرأة واجهت الألم والسلطة، والشهرة في آن واحد.
أما على المستوى التاريخي، فقد جاء تناول علاقات أم كلثوم ببعض الصحفيين والفنانين مسطحًا ومختزلا ، بل ومشؤها أحيانًا، سواء عبر تجاهل السياق الزمني، أو تفريغ العلاقة من بعدها الإنساني والفني.
والأخطر من ذلك هو إغفال أو تهميش شخصيات محورية شكلت وجدان أم كلثوم الفني والروحي، سلبًا وإيجابًا، مثل:
• محمد عبد الوهاب، بوصفه شريك صراع فني وتاريخي، لا مجرد اسم عابر
• بليغ حمدي، بما مثله من تحوّل موسيقي ووجداني في مسيرتها
• والشيخ أبو العلا محمد، الذي لم يكن أستاذا فحسب، بل أحد أعمدة تكوينها الروحي والفني.
إقصاء هذه العلاقات، أو التعامل معها بخفة، أفقد الفيلم عمقه، وحوله من سيرة إنسانية ثرية بالتناقضات والتفاعلات إلى سرد مجتزأ يخشى الاقتراب من المناطق الشائكة التي تصنع الدراما الحقيقية.
*أخيرًا حين تضيع التفاصيل … تسقط الرؤية*
في النهاية، ما سقط في هذا الفيلم لم يكن مشهدًا هنا أو تفصيلة هناك، بل الرؤية الكلية نفسها.
فالعمل الذي لا يهتم بالملامح، ولا يدقق في المرض، ولا يحترم العلاقات الإنسانية التي صنعت الشخصية، لا يمكنه أن يُقنعنا بأنه يفهم ما يقدمه.
غياب التفاصيل ليس مسألة تقنية، بل علامة على غياب الفهم.
وعندما تفقد التفاصيل، تفقد الشخصية روحها، ويفقد العمل مبرره، مهما كان حجم الإنتاج أو ثقل الأسماء المشاركة فيه.
*فيلم «الست»* لم يُخطئ لأنه اقترب من الأسطورة، بل لأنه اقترب منها بيدٍ مرتعشة وعقلٍ مرتبك، فخرج عملا لا يُسيء لأم كلثوم فقط، بل يُسيء لفكرة السيرة الفنية ذاتها.
ولهذا، لا يبدو هذا الفيلم بحاجة إلى ترميم فني فحسب، بل يحتاج إلى فيلمٍ آخر وصناع آخرين كي يكونوا قادرين على تناول الفكرة من زوايا مختلفة بطريقة رصينة تليق باسم أم كلثوم، يحتاج إلى إعادة تفكير كاملة في معنى أن نقترب من رموزنا … ومتى يكون الصمت أكثر احترامًا من الكلام.



