الاستقرار… وعد مؤجل بلا اعتذار

بقلم الاعلامية صفاء مهنا

في هذه البقعة الجغرافية، لا تتحرك الأحداث بقدر ما تدور حول نفسها. الجراح القديمة تتكرر، والوعود بالاستقرار تتبدد، والسياسة تتقهقر أمام السلاح والأطماع .

التاريخ هنا لا يكرر نفسه عن عناد، بل عن إصرار على السير في الدائرة ذاتها, تتغير الوجوه والشعارات، ويبقى النص السياسي ثابتًا، أزمات تدار، ومستقبل معلق بلا موعد.

 

منذ ولادة الدول الحديثة في المنطقة بعد حقبة الاستعمار، لم يُبنَ مشروع سياسي مكتمل في بعضها ، كانت الأولويات الأمنية تتصدر على التنمية، والتحالفات الخارجية تُرسم وفق مصالح كبرى أكثر من احتياجات المجتمع المحلي. وهكذا، أصبحت الصراعات جزءًا من نمط حياة المنطقة، لا أحداثًا استثنائية، ما جعل الدولة دائمًا في مواجهة مستمرة مع نفسها ومع محيطها.

 

تاريخيًا، مرت المنطقة خلال القرن الأخير بثلاث مراحل رئيسية شكلت هذا النمط المستمر. المرحلة الأولى كانت بناء دول حديثة بعد الخروج من حقبة الاستعمار ، لكن لم تكتمل مؤسساتها ، ما جعل السياسة ساحة مواجهة بين القوى المحلية، مع تصاعد الصراعات الإقليمية.

المرحلة الثانية شهدت تدخلات خارجية أعادت رسم الخرائط السياسية، وحوّلت المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، حيث المصالح الكبرى تتحكم في قرارات الحكومات الصغيرة. أما المرحلة الثالثة، فكانت التحولات الداخلية وظهور حركات احتجاجية كشفت عن أزمة عميقة بين الدولة والمجتمع، نتيجة تراكم طويل من الإقصاء الاقتصادي والسياسي( للفريق المختلف) وفقدان الثقة المتبادلة.

 

هذه المراحل المتتابعة أدت إلى نموذج جديد: إدارة الأزمات بدل حلها، تبادل المصالح بدل بناء الدولة، وصفقات اقتصادية بدل مشاريع مستدامة، التحالفات مؤقتة قابلة للنقض، خطوط النفوذ غير واضحة، والمصالح تُدار ببراغماتية صارمة على حساب أي مشروع مستقبلي. الصراعات لم تختفِ، بل تحولت إلى نزاعات طويلة الأمد بلا حلول جذرية، تاركة المنطقة دائمًا على شفا الانفجار المفاجئ.

 

النتيجة أن الاستقرار أصبح وعدًا مؤجلًا بلا اعتذار ، والهوية الوطنية تبحث عن نفسها في مرآة القوة، لا في وعي المجتمع، والحدود بلا ذاكرة، والقانون غالبًا ما يغلبه منطق البقاء والخوف، ما يمنع أي مشروع تنموي حقيقي من الظهور. كل تغيير سطحي يبدو جديدًا، لكنه في الجوهر دوران حول الجرح ذاته، مثل مسرح متحرك تتغير ديكوراته، بينما يبقى نصه ثابتًا.

 

اليوم، المنطقة أمام مفترق طرق حاسم،إما الاستمرار في دورة الماضي ما يعني استمرار الأزمة نفسها، مع إدارة مؤقتة للصراعات وتحالفات هشّة. ،إما البحث عن نص جديد للغد، فيتطلب شجاعة سياسية ومجتمعية( كسر الدوائر المكررة، إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، تعزيز مؤسسات مستقرة، ووضع قواعد واضحة للتحالفات والمصالح ( فقط وعبر ذلك ومايندرج في سياقه ) يمكن أن يتحقق وعد الاستقرار المؤجل ويتحول إلى واقع ملموس، بعيدًا عن وعود بلا اعتذار، وصراعات متكررة دون نهاية.

 

فالاستقرار لم يكن يومًا حقيقة مستمرة، لكنه يظل ممكنًا إذا ترافق التصميم السياسي مع وعي مجتمعي حقيقي، وإرادة كسر دائرة التاريخ المكررة. فالمستقبل لن يُكتب بالاستمرار في الماضي، بل بالقدرة على إعادة صياغة القواعد، وإعادة بناء المؤسسات، وخلق مساحة أمان تنمو فيها الدولة والمجتمع معًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى