بعيون دمشقية: حكاية قبقاب وُلد في النيل وعاش في بردى

بقلم: لارا محفوض
في دمشق، تحمل ذاكرة الحرفي سامر السكري طعم “قباقيب السكاكر” وصخب أغنية العيد. ذاكرته تنبض بمقولة شامية أصيلة: “يلي مالو قبقاب… مالو عيد”.
أما في القاهرة، فتحمل أمانة الحرفي محمد عبد العظيم وزناً مختلفاً، يتردد في كلماته الهادئة: “احنا بنشتغلها مجاملة لبقاء المهنة”.
بين طعم الفرح الذي يسكن الذاكرة، وثقل الأمانة التي تسكن الروح، تُروى الفصول الأخيرة لقصة القبقاب الذي وُلد على ضفاف النيل، وتوردت حكاياته تحت ياسمين الشام. إنها ليست قصة خشب، بل حكاية روح واحدة تسكن جسدين، على أرض سوريا ومصر.
حين تدخل ورشة سامر السكري، فأنت لا تدخل محلاً، بل آلة زمن. الرجل لا يبيع قباقيب، بل يوزع قطعاً من ذاكرة دمشق الملونة. عمله تمرد رقيق على النسيان. حين يُصر على صناعة قبقاب “غوار الطوشة”، فهو يتمرد على واقع كاد أن ينسى ضحكاته القديمة. وحين يروي بحماس عن “قباقيب السكاكر”، فإنه يتمرد على حاضر بلا طعم، بذاكرة حلوة كانت فيها البساطة هي المكافأة الأجمل.
على بعد أميال من هذا الحنين، يجلس محمد عبد العظيم في ورشته بالقاهرة، كحارس منارة على شاطئ منسيّ، يصر على إبقاء النور مضاءً حتى لو لم تعد هناك سفن تعبر. تمرده ليس في الحنين، بل في المنطق. في وجه عالم البلاستيك الرخيص، يرفع قبقابه كسلاح ويقول: “عازل للرطوبة، وصحي، ويعيش طويلاً”. إنه يتمرد على فكرة أن ما هو عملي وأصيل يجب أن يموت. وفي شهر رمضان، حين تتوق أرواح المصريين إلى بساطة الماضي، يتذكرون منطقه، كأن روح مصر العتيقة تستيقظ للحظات لتقول له بصمت: “أنت على حق”.
هذا الخشب الذي يوحد مصير الرجلين، هو مسافر قديم يحمل قصة تمرده الخاصة. وُلد كفكرة عملية في قلب القاهرة الفاطمية، كثورة صغيرة على الأرض المبللة والساخنة. ثم حملته القوافل، كحكاية تُروى، ليسافر شمالاً. وفي دمشق، استقبلته المدينة كما تستقبل القصيدة، فزينته بالصدف والفضة. كأن القاهرة هي الأخت الكبرى التي علمته المشي، ودمشق هي التي ألبسته ثوب العرس وزفته للعالم.
واليوم، يجلس الحارسان، كلٌ في مدينته، يكملان فصول الرواية الأخيرة.
سامر، بقلب فنان، يتمرد بذاكرة الفرح الشامي.
ومحمد، بعقل خبير، يتمرد بأمانة المنطق المصري.
لكن صوت المطرقة واحد.
في دمشق، تدق المطرقة على وتر الضحكات القديمة. وفي القاهرة، تدق على وتر الواجب الصامت. وفي النهاية، ليس سوى إيقاع واحد لقلب مشترك، ينبض في ورشتين صغيرتين، ويصلي بصمت ألا تكون هذه هي الدقة الأخيرة.



