سلسلة اسماء الله الحسنى .. معنى اسم الله الصبور

كتبت سوزان مرمر
أمَّا الصَّبرُ، فقد أطلقَهُ عليه أعرَفُ الخَلْقِ به وأعظمُهم تنزيهًا له بصيغةِ المُبالغةِ، ففي الصَّحيحينِ مِن حديثِ الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، عن أبي موسى، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذَىً سَمِعَهُ مِنَ اللهِ عز وجل، يَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ»[1].
وفي أسمائِهِ الحُسنى: الصَّبورُ، وهو من أمثلةِ المبالغَةِ، أبلغُ من الصابرِ والصَّبَّارِ، وصَبرُه تعالى يُفارقُ صَبرَ المخلوقِ، ولا يُماثِلُه مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ، منها أنه عن قُدرةٍ تامَّةٍ، ومنها أنه لا يَخافُ الفَوْتَ، والعبدُ إنما يَستَعجلُ لخوفِ الفوتِ، ومنها أَنَّه لا يَلحقُه بصبرِه ألمٌ ولا حُزنٌ ولا نقصٌ بوجهٍ ما، وظهورُ أثرِ هذا الاسمِ في العالَمِ مَشهودٌ بالعِيانِ كظهورِ اسمِه الحليمِ.
والفرق بين الصَّبرِ والحِلْمِ: أَنَّ الصَّبْرَ ثمرةُ الحِلْمِ ومُوجَبُهُ، فعلى قَدْرِ حِلْمِ العَبْدِ يكونُ صَبرُه، فالحِلمُ في صفاتِ الربِّ تعالى أوسعُ مِن الصَّبرِ، ولهذا جاء اسمُه الحليمُ في القرآنِ في غيرِ موضعٍ، ولسَعتِه يقرنُهُ سُبْحَانَهُ باسمِ العَليمِ، كقولِه: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 51]، و ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [الحج: 59].
وفي أثرٍ أَنَّ حمَلةَ العرشِ أربعةٌ: اثنانِ يقولانِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وبحمدِكَ، لك الحمدُ على حِلْمِك بعد عِلْمِكَ، واثنانِ يقولانِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وبحمدِكَ، لك الحمدُ على عفوِك بعد قُدْرتِكَ.
فإِنَّ المخلوقَ يَحْلُمُ عن جَهلٍ، ويعفُو عن عَجْزٍ، والرَّبُّ تعالى يَحْلُمُ مع كمالِ عِلْمِهِ، ويَعْفُو مع تمامِ قُدْرتِه، وما أُضيفَ شيءٌ إلى شيءٍ أزينُ مِن حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، ومِن عفْوٍ إلى اقْتِدَارٍ، ولهذا كان في دُعاءِ الكَرْبِ وُصِفَ سُبْحَانَهُ بالحِلْمِ مع العظمَةِ، وكونُه حليمًا مِن لوازمِ ذاتِهِ سُبْحَانَهُ.
وأما صَبْرُه سُبْحَانَهُ، فمتعلِّقٌ بكُفْرِ العبادِ، وشرْكِهم، ومَسَبَّتهم له سُبْحَانَهُ، وأنواعِ مَعاصِيهم وفجورِهم، فلا يُزعِجُه ذلك كلُّه إلى تعجيلِ العقوبةِ، بل يَصبرُ على عبْدِه، ويُمْهِلُه، ويَستَصلِحُه، ويَرْفُقُ به، ويَحْلُمُ عنه، حتى إذا لم يَبْقَ فيه مَوضِعٌ للصّنَيعةِ، ولا يَصْلحُ على الإمهالِ والرِّفقِ والحِلمِ، ولا يُنِيبُ إلى ربِّه ويَدْخُل عليه لا مِن باب الإحسان والنعم، ولا مِن بابِ البلاءِ والنِّقمِ – أَخَذَهُ أخْذَ عزيزٍ مُقتدرٍ، بعد غايةِ الإعذارِ إليه، وبذْلِ النصيحةِ له، ودُعائِه إليه مِن كلِّ بابٍ، وهذا كلُّه مِن مُوجِباتِ صِفَةِ حِلْمِه، وهي صفةٌ ذاتيةٌ لا تزولُ.
وأما الصَّبرُ، فإذا زالَ مُتَعَلَّقُه، كان كسائرِ الأفعالِ التي تُوجدُ بوجودِ الحِكْمةِ، وتزولُ بزوالِها، فتأمَّلْهُ، فإنَّه فرْقٌ لطيفٌ ما عَثَرتِ الحُذَّاقُ بعُشْرِهِ، وقلَّ مَنْ تَنَبَّهَ له ونبَّه عليه، وأشكلَ على كثيرٍ منهم هذا الاسمُ، وقالوا: لم يأتِ في القرآنِ، فأعرضوا عن الاشتغالِ به صفحًا، ثُمَّ اشتغلوا بالكلامِ في صَبْرِ العبْدِ وأقسامِه، ولو أنهم أَعطَوا هذا الاسمَ حقَّهُ، لَعَلِموا أنَّ الرَّبَّ تعالى أحقُّ به مِن جميعِ الخَلْقِ، كما هو أحقُّ باسمِ العليمِ، والرَّحيمِ، والقديرِ، والسَّميعِ، والبصيرِ، والحيِّ، وسائرِ أسمائِه الحُسنى – مِنَ المخلوقين – وأنَّ التفاوتَ الذي بين صَبْرِه سُبْحَانَهُ وصَبْرِهم، كالتفاوتِ الذي بين حياتِهم وحياتِه، وعِلمِهِ وعِلمِهم، وسمعِه وسمعِهم، وكذا سائرِ صفاتِه.
ولمَّا عَلِمَ ذلك أَعْرَفُ خَلْقِه به قال: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذَىً سَمِعَهُ مِنَ اللهِ»[2]، فعِلْمُ أربابِ البَصائرِ بصبرِه سُبْحَانَهُ كعِلْمِهم برحمتِهِ وعفوِه وسَتْرِهِ، مع أنَّه صَبْرٌ مع كمالِ عِلمٍ وقُدْرةٍ وعظَمةٍ وعِزَّةٍ، وهو صَبْرٌِ من أعظمِ مصبورٍ عليه؛ فإِنَّ مُقابلةَ أعظمِ العظماءِ، ومَلِكِ الملوكِ، بغاية القبح، وأعظم الفجور، وأفحشِ الفواحشِ، ونسبتَه إلى كلِّ ما لا يليقُ به، والقدحَ في كمالِه وأسمائِه وصفاتِه، والإلحادَ في آياتِه، وتكذيبَ رسُلِه عز وجل، ومقابلتَهُمْ بالسَّبِّ والشتمِ والأذى، وتحريقَ أوليائِه وقتلَهُم وإهانتَهُم – أمرٌ لا يَصبرُ عليه إلا الصَّبورُ، الذي لا أحدَ أصبرُ منه، ولا نِسبةَ لصبرِ جميعِ الخلْقِ مِن أوَّلِهم إلى آخرِهِم إلى صبرِه سُبْحَانَهُ.
وإذا أردتَ معرفةَ صَبْرِ الربِّ تعالى وحِلْمِهِ، والفرْقَ بينهما، فتأمَّلْ في قولِه تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [فاطر: 41].
وقولِه: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ [مريم: 88 – 91].
وقولِه: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ [إبراهيم: 46]، على قراءة مَنْ فتحَ اللَّامَ.
فأخبَر سُبْحَانَهُ أَنَّ حِلْمَه ومغفرتَهُ يَمنعانِ زوالَ السَّماواتِ والأرضِ، فالحِلْمُ وإمساكُهما أَنْ تزولا هو الصَّبْرُ، فبِحِلْمِه صَبَر عن معالجةِ أعدائِهِ.
وفي الآيةِ إشعارٌ بأنَّ السماواتِ والأرضَ تهُمُّ وتستأذِنُ بالزوالِ لِعظمِ ما يأتي به العِبادُ، فيُمسكُها بحِلْمِهِ ومغفرتِه، وذلك حَبْسُ عقوبتِه عنهم، وهو حقيقةُ صَبْرِه تعالى، فالذي عنه الإمساكُ هو صفةُ الحِلْمِ، والإمساكُ هو الصَّبْرُ، وهو حَبْسُ العقوبةِ، ففرقٌ بين حبْسِ العُقوبةِ وبين ما صَدَر عنه حبْسُها، فتأمَّلْهُ.
وفي مسندِ الإمامِ أحمدَ مرفوعًا: «ما مِن يومٍ إلا والبحرُ يستأذِنُ ربَّه أَنْ يُغرِقَ بَني آدمَ»[3]، وهذا مقتضى الطبيعةِ؛ لأنَّ كُرةَ الماءِ تعلو كُرةَ التُّرابِ بالطبعِ، ولكنَّ اللهَ يُمسِكُه بقُدْرتِه وحِلْمِه وصَبْرِه.
وكذلك خُرورُ الجبالِ، وتفطيرُ السَّماواتِ، الربُّ تعالى يحبِسُها عن ذلك بصَبْرِه وحِلمِه، فإنَّ ما يأتي به الكفارُ والمشركون والفُجَّارُ في مقابلةِ العظمةِ والجلالِ والإكرامِ يقتضي ذلك، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ في مقابلةِ هذه الأسبابِ أسبابًا يُحِبُّها ويرضاها ويفرحُ بها أكْمَلَ فرحٍ تُقابِلُ تلك الأسبابَ التي هي سببُ زوالِ العالمِ وخرابِهِ، فدفعَتْ تلك الأسبابَ وقاومتْها.
وكان هذا مِنْ آثارِ مُدافعةِ رحمَتِهِ لِغضبِه وغَلبتِها له وسبقِها إيَّاه، فغَلَبَ أثرُ الرَّحمةِ أثَرَ الغضبِ، كما غلبتِ الرَّحمةُ الغضبَ.
ولهذا استعاذَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بصِفة الرِّضا مِن صِفةِ السُّخْطِ، وبفعْل المعافاةِ مِن فعلِ العقوبةِ، ثم جَمَعَ الأمْرين في الذَّاتِ، إِذْ هُما قائمانِ بها، فقال: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ»[4]، فإنَّ ما يُستعاذُ به هو صادِرٌ عن مشيئتِه وخلْقِه بإذنِه وقضائِه، فهو الذي أَذِنَ في وقوعِ الأسبابِ التي يُستعاذُ منها خَلْقًا وكَونًا، فمنْه السببُ والمُسبَّبُ، وهو الذي حَرَّكَ الأنفُسَ والأبدانَ وأعطاها قُوى التأثيرِ، وهو الذي أوجَدَها وأعدَّها ومدَّها وبسَطَها على ما شاء، وهو الذي يُمسِكُها إذا شاءَ، ويَحُولُ بينها وبين قُواها وتأثيرِها.
فتأمَّلْ ما تحتَ قولِه: «أعوذُ بِكَ مِنْكَ» مِن محْضِ التَّوحيدِ، وقطْعِ الالتفاتِ إلى غيرِه، وتكميلِ التوكُّلِ عليه سبحانه وتعالى به وَحْدَهُ، وإفرادِه بالخوفِ والرَّجاءِ ودفْعِ الضُّرِّ وجلْبِ الخيرِ، وهو الذي يَمَسُّ بالضُّرِّ بمشيئَتِه، وهو الذي يَدْفعهُ بمشيئَتِه مِنْ مَشيئَتِهِ، وهو المُعِيذُ مِنْ فعلِه بفعلِه، وهو الذي سُبْحَانَهُ خلَقَ ما يصبرُ عليه وما يرضى به، فإذا أغضبَتْهُ معاصي الخلْقِ وكفْرُهم وشِرْكُهم وظلْمُهم، أرضاه تسبيحُ ملائِكَتِهِ وعبادِهِ المؤمنين له وحمدُهم إياه، وطاعتُهم له، فيُعيذُ رضاه مِن غضَبِهِ.
قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «ليس عند ربِّكم ليلٌ ولا نهارٌ، نورُ السماواتِ والأرضِ مِن نُورِ وجهِه، وإنَّ مقدارَ يومٍ مِن أيامِكم عنده اثنتا عَشْرَةَ ساعةً، فتُعرضُ عليه أعمالُكم بالأمس أولَ النهارِ اليومَ، فيَنظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فيطَّلعُ منها على ما يكرَهُ فيغضبُه ذلك، فأوَّل ما يعلمُ بغضبِه حملةُ العرشِ يجدونَهُ يَثْقُلُ عليهم، فتسبِّحُه حمَلةُ العرشِ وسرادقاتُ العرشِ والملائكةُ المقرَّبون وسائرُ الملائكةِ، حتى يَنفخَ جبريلُ في القرنِ فلا يَبقى شيءٌ إلا يَسمَعُ، فيُسَبِّحون الرحمَن ثلاثَ ساعاتٍ حتى يَمْتلئَ الرحمنُ رحمةً، فتلك ستُّ ساعاتٍ».
قال: «ثُمَّ يؤتَى بالأرحامِ، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 6]، ﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ﴾ [الشورى: 49، 50].
فتلك تسعُ ساعاتٍ، ثم يُؤتى بالأرزاقِ فينظرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فذلك قوله: ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الرعد: 26]، وقوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن: 29]».
قال: هذا شأنُكم وشأنُ ربِّكم»، رواه أبو القاسم الطبراني في السُّنّةِ، وعثمان بن سعيد الدارمي، وشيخُ الإسلامِ الأنصاري، وابنُ مَنده، وابنُ خزيمةَ وغيرُهم.
ولمَّا ذكرَ سُبْحَانَهُ في سورةِ الأنعامِ أعداءَهُ وكفْرَهُمْ وشِرْكَهم وتكذيبَ رسلِه – ذكرَ في أثر ذلك شأنَ خليلِه إبراهيمَ، وأراهُ مِن ملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ، وما حاجَّ به قومَهُ في إظهارِ دِينِ اللهِ وتوحيدِه… ثم ذكرَ الأنبياءَ من ذريِّتهِ، وأنَّه هداهُم وآتاهم الكِتابَ والحُكْمَ والنبوَّةَ – ثُمَّ قال: ﴿ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ [الأنعام: 89]، فأَخبرَ أنه سُبْحَانَهُ، كما جعَل في الأرضِ مَنْ يكفرُ به، ويجحدُ توحيدَه، ويكذِّبُ رُسلَهُ، كذلك جعلَ فيها مَنْ يؤمنُ بما كفرَ به أولئك، ويُصَدِّقُ بما كذَّبوا به، ويحفظُ مِنْ حُرماتِه ما أضاعوه.
وبهذا تماسك العالمُ العلويُّ والسُّفليُّ، وإِلَّا فلو تَبِعَ الحقُّ أهواءَ أعدائِهِ لفسدَتِ السماواتُ والأرضُ ومَنْ فيهن ولخَرِبَ العالمُ، ولهذا جعَلَ سُبْحَانَهُ مِن أسبابِ خَرابِ العالم رفْعَ الأسبابِ المُمسكةِ له مِنَ الأرضِ، وهي كلامُه وبيتُه ودِينُه والقائمون به، لا يَبقى لتلك الأسبابِ المقتضيةِ لخرابِ العالمِ أسبابٌ تُقاومُها وتمانِعُها.
ولمَّا كان اسمُ (الحليمِ) أَدْخَلَ في الأوصافِ، واسمُ (الصَّبورِ) في الأفعالِ، كان الحِلْمُ أصْلَ الصَّبرِ، فوقَع الاستغناءُ بذكْرِه في القرآنِ عن اسمِ (الصَّبورِ)… والله أعلم.
وأما تسميتُه سُبْحَانَهُ بالشكور، فهو في حديثِ أبي هُريرةَ.
وفي القرآنِ تسميتُه شاكرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 147].
وتسميتُه أيضًا شكورٌ، قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 17].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإنسان: 22]، فجَمعَ لهم سُبْحَانَهُ بين الأمْرين: أَنْ شَكَرَ سعيَهم، وأثابَهم عليه، واللهُ تعالى يَشكرُ عبدَه إذا أحسَنَ طاعتَهُ، ويَغفرُ له إذا تابَ عليه، فيجمعُ للعبدِ بَين شُكْرِه لإِحسانِه، ومغفرَتِه لإساءتِه، إِنَّه غفورٌ شكورٌ.
وقد تقدَّمَ ذكْرُ حقيقةِ شُكْرِ العبدِ وأسبابِه ووجوهِهِ.
وأما شكْرُ الرَّبِّ تعالى فله شأنٌ آخرُ كشأنِ صَبرِه، فهو أولى بصفةِ الشُّكرِ مِن كلِّ شكورٍ، بل هو الشَّكورُ على الحقيقةِ، فلا يَستقلُّه أن يشكرَهُ، ويشكرَ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها إلى أضعافٍ مضاعفةٍ.
ويشكرُ عبدَهُ بقولِهِ بأَنْ يُثنيَ عليه بين ملائكتِه وفي مَلَئِه الأعلى، ويُلقي له الشُّكرَ بين عبادِه، ويشكُره بفعلِه، فإذا تركَ له شيئًا أعطاه أفضلَ منه، وإذا بذَل له شيئًا ردَّهُ عليه أضعافًا مضاعفةً، وهو الذي وفَّقَهُ للتَّرْكِ والبذْلِ، وشكَرَهُ على هذا وذاك.
ولما عَقَرَ نبيُّهُ سليمانُ الخيلَ غضبًا له، إِذْ شغلتْهُ عن ذكْرِه، فأراد ألَّا تُشغِلَهُ مرّةً أخرى، أعاضَهُ عنها متْنَ الرِّيحِ.
ولما تَرَكَ الصَّحابةُ ديارَهم، وخرجوا منها في مرضاتِه، أعاضَهم عنها أن ملَّكَهم الدُّنيا وفتَحها عليهم.
ولما احتَمَلَ يوسفُ الصِّدِّيقُ ضيقَ السِّجْنِ، شَكَرَ له ذلك بأَنْ مكَّنَهُ في الأرضِ يتبوَّأُ منها حيثُ يَشاءُ.
ولما بذلَ الشُّهداءُ أبدانَهم له ومزَّقها أعداؤهُ، شَكَرَ لهم ذلك بأَنْ أعاضَهُمْ منها طَيرًا خُضْرًا أقرَّ أرواحَهُمْ فيها، تَرِدُ أنهارَ الجَنَّةِ، وتأكلُ مِنْ ثِمارِها إلى يومِ البَعْثِ، فيَرُدُّها عليهم أكْمَلَ ما تكُونُ وأجْمَلَهُ وأبْهَاهُ.
ولما بَذَلَ رسُلُهُ أعراضَهم فيه لأعدائِهم، فنالوا منهم وسَبُّوهُمْ، أعاضَهُم مِنْ ذلك بأَنْ صلَّى عليهم هو وملائكتُه، وجعلَ لهم أطيَبَ الثَّناءِ في سماواتِه وبَيْنَ خلقِهِ، فأَخْلَصهُمْ بخالصةٍ ذكرى الدَّارِ.
ومِنْ شُكْرِه سُبْحَانَهُ: أنَّه يُجازي عدوَّهُ بما يفعلُه مِنَ الخيرِ والمعروفِ في الدُّنيا، ويخفّفُ به عنه يومَ القيامةِ، فلا يُضيعُ عليه ما يفعلُه مِن الإِحسانِ، وهو مِنْ أبغضِ خلْقِهِ إليه.
ومِنْ شُكرِهِ: أَنَّه غَفَرَ للمرأةِ البغيِّ بسَقْيها كلبًا كان قد جَهَدَهُ العطشُ حتى أكلَ الثرى، وغفرَ لآخَرَ بتنْحِيَتِه غُصنَ شوكٍ عن طريقِ المسلمين.
فهو سُبْحَانَهُ يَشكرُ العَبْدَ على إحسانِه لنفسِه، والمخلوقُ إِنَّما يشكر مَنْ أحسنَ إليه، وأبلغُ مِنْ ذلك أَنَّه سُبْحَانَهُ هو الذي أعطى العبدَ ما يُحسِنُ به إلى نفسِهِ، وشَكَرَهُ على قليلهِ بالأضعافِ المضاعفةِ التي لا نِسْبَةَ لإحسانِ العبدِ إليها، فهو المحْسنُ بإعطاءِ الإحسانِ وإعطاءِ الشكرِ، فمَنْ أحقُّ باسمِ الشكورِ منه سُبْحَانَهُ؟
وتأملْ قولَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 147]، كيف تجدُ في ضِمْنِ هذا الخطابِ أَنَّ شُكْرَهُ تعالى يأبَى تعذيبَ عبادِهِ بغيرِ جُرْمٍ، كما يأبَى إِضاعَةَ سعْيِهم باطلًا، فالشكورُ لا يُضيعُ أَجْرَ مُحسِنٍ، ولا يُعذِّبُ غيرَ مُسيءٍ.
وفي هذا ردٌّ لقولِ مَنْ زعمَ أَنَّه سُبْحَانَهُ يُكَلِّفُه ما لا يُطيقُه، ثُمَّ يُعذِّبُه على ما لا يَدْخُلُ تحتَ قُدرتِهِ، تعالى اللهُ عن هذا الظنِّ الكاذبِ والحُسبانِ الباطلِ عُلوًّا كبيرًا، فشُكْرُه سُبْحَانَهُ اقتضى أَنْ لا يُعذِّبَ المؤمنَ الشَّكورَ، ولا يُضيعُ عَملَهُ.
وذلك مِنْ لوازِمِ هذه الصِّفَةِ، فهو مُنزَّهٌ عن خلافِ ذلك، كما يُنزَّهُ عن سائرِ العُيوبِ والنقائصِ التي تُنافي كمالَهُ وغِناهُ وحمْدَهُ.
ومِنْ شُكْرِه سُبْحَانَهُ: أَنَّه يُخرِجُ العبدَ مِن النَّارِ بأدنى مِثقالِ ذَرَّةٍ مِن خيرٍ، ولا يُضيعُ عليه هذا القَدْرَ.
ومِنْ شُكْرِه سُبْحَانَهُ: أَنَّ العبدَ مِنْ عِبادِه يقُومُ له مقامًا يُرضيه بين النَّاسِ فيشكرُه له، وينوِّهُ بذكرِه، ويُخبر به ملائكَتَهُ وعبادَهُ المؤمنينَ… كما شَكَرَ لمؤمنِ آلِ فرعَونَ ذلك المقامَ، وأثنى بِه عليه، ونوَّه بذكرِه بَيْنَ عبادِهِ… وكذلك شُكْرُه لصاحبِ يَس مقامَهُ ودَعْوتَهُ إليه، فلا يَهْلِكُ عليه بين شُكرِه ومغفرتِه إلا هالِكٌ، فإِنَّه سُبْحَانَهُ غفورٌ شَكورٌ، يغفِرُ الكثيرَ مِن الزَّلَلِ، ويشكرُ القليلَ من العَملِ.



