مستقبل لا يُنتظر… بل يُصنع (Better Future)كيف نبني الغد في عالم تتسارع فيه الأزمات؟

مستقبل لا يُنتظر… بل يُصنع (Better Future)
كيف نبني الغد في عالم تتسارع فيه الأزمات؟

✍️ بقلم: د. نيفين يوسف

في زمنٍ تتزايد فيه التحديات الاقتصادية، وتتفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية، لم يعد الحديث عن مستقبل أفضل (Better Future) ترفًا فكريًا أو شعارًا إنشائيًا يُرفع في المناسبات، بل أصبح ضرورة وجودية تفرض نفسها على الأفراد والمجتمعات والدول على حد سواء.
العالم من حولنا يتغير بوتيرة غير مسبوقة؛ ثورات تكنولوجية متلاحقة، وتحولات اقتصادية عميقة، وتغيرات اجتماعية تعيد تشكيل مفاهيم العمل والتعليم والعلاقات الإنسانية. ومع هذا التسارع، لم يعد السؤال الجوهري هو: إلى أين نذهب؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: أي نوع من المستقبل نريد أن نعيش فيه؟

المستقبل الأفضل… رؤية إنسانية قبل أن يكون إنجازًا ماديًا

المستقبل الأفضل لا يُقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي، ولا بعدد ناطحات السحاب، ولا بحجم التطور التكنولوجي وحده. فالتقدم الحقيقي يبدأ حين يكون الإنسان هو الغاية، لا الوسيلة.
مستقبل أفضل يعني إنسانًا أكثر توازنًا نفسيًا، ومجتمعًا أكثر عدالة وتكافؤًا، واقتصادًا يخدم البشر بدلًا من استنزافهم، وتكنولوجيا تُسخَّر للارتقاء بالإنسان لا لعزله أو إفقاده إنسانيته.
إن أخطر ما نواجهه اليوم هو اختزال مفهوم التقدم في الأرقام والمؤشرات، مع تجاهل الأثر النفسي والاجتماعي العميق لهذه الطفرات السريعة.

التعليم… البوابة الأولى لصناعة الغد

يظل التعليم هو حجر الأساس لأي مشروع حقيقي لبناء مستقبل أفضل. فالمدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعلومات، بل هي مساحة لصناعة العقول الحرة القادرة على التفكير النقدي، والإبداع، وطرح الأسئلة، والبحث عن حلول.
المجتمعات التي تستثمر في عقل الطفل اليوم، تضمن قوتها وريادتها غدًا. أما التعليم القائم على الحفظ والتلقين، فيصنع أجيالًا تحفظ ولا تفهم، وتكرر ولا تبدع، وتخشى التغيير بدلًا من قيادته.

الصحة النفسية… الركيزة المنسية للتنمية

إلى جانب التعليم، تبرز الصحة النفسية كركيزة أساسية لأي مجتمع ناجح. فالإنسان المنهك نفسيًا لا يستطيع أن يبدع، ولا أن يحب، ولا أن ينتج، ولا أن يساهم بفاعلية في بناء وطنه.
ورغم ذلك، لا تزال كثير من المجتمعات تنظر إلى الألم النفسي باعتباره ضعفًا، بينما هو في حقيقته نداء استغاثة يحتاج إلى إنصات ودعم، لا إلى إنكار أو وصم.

الغد يبدأ الآن

إن المستقبل الأفضل لا يولد من الانتظار، ولا من التمنّي، ولا من الخطابات الرنانة، بل يُصنع كل يوم عبر قرارات واعية، واستثمارات حقيقية في الإنسان، وإرادة لا تخشى التغيير. فكل مدرسة تُصلح، وكل عقل يُحرَّر، وكل إنسان يُنقَذ من الإنهاك النفسي، هو حجر جديد في بناء الغد.
لسنا في حاجة إلى مستقبل أكثر سرعة، بقدر ما نحتاج إلى مستقبل أكثر إنسانية. مستقبل يُنصت فيه صانع القرار لصوت الناس، وتُمنح فيه العقول فرصة التفكير، وتُصان فيه كرامة الإنسان قبل أي حسابات أخرى.
إن الطريق إلى Better Future لا يبدأ غدًا، بل يبدأ الآن… من التعليم الذي نُصلحه، ومن الوعي الذي نزرعه، ومن الإنسان الذي نعيد إليه ثقته بنفسه وبالحياة. فالمستقبل لا ينتظر أحدًا، لكنه يفتح أبوابه فقط لمن يملكون الشجاعة على صناعته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى