النظام العالمي يتغير ومصر تُمسك بالخيط

بقلم هدى الخضراوي
كاتبة وباحثة في الشأن السياسي والعلاقات الدولية
يشهد العالم في المرحلة الراهنة تحولات متسارعة تؤكد أن النظام الدولي القديم لم يعد قادرًا على إدارة التوازنات كما كان في السابق. في حين لم تتشكل بعد ملامح نظام عالمي جديد بقواعد مستقرة. هذا الوضع الانتقالي خلق فراغًا سياسيًا واضحًا. أعاد تعريف مفاهيم القوة والنفوذ. حيث لم تعد الهيمنة المباشرة ممكنة. وأصبحت إدارة الأزمات وتقليل الخسائر هي السمة الغالبة على العلاقات الدولية.
في هذا السياق تتحرك الولايات المتحدة بوصفها القوة الأكبر. لكنها لم تعد القوة القادرة على الحسم المنفرد. فقد أظهرت التجارب السابقة أن التدخل المباشر وإعادة تشكيل الدول من الخارج يحملان كلفة سياسية واستراتيجية مرتفعة. وغالبًا ما يؤديان إلى نتائج عكسية. لذلك اتجهت السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة إلى إدارة التوازنات بدل فرض الحلول. وإلى احتواء الأزمات بدل السعي إلى حسمها.
ومع صعود قوى دولية أخرى بات المشهد أكثر تعقيدًا. فالتنافس مع الصين يتركز في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية. وتسعى واشنطن من خلاله إلى إبطاء التمدد لا إلى المواجهة المباشرة. أما العلاقة مع روسيا فتقوم على صراع أمني وسياسي يهدف إلى منع الانفراد وبناء خطوط ردع متبادلة. ونتيجة لذلك يتشكل نظام دولي متعدد القوى. لكنه يفتقر إلى مركز واضح أو قواعد حاكمة مستقرة.
ضمن هذا الإطار يعود الشرق الأوسط بوصفه منطقة إدارة أزمات. لا باعتباره مركز النظام العالمي. بل لكونه نقطة تقاطع مصالح استراتيجية تتعلق بالطاقة والملاحة والأمن الإقليمي. في هذه المنطقة لا تسعى القوى الكبرى إلى استقرار كامل يقيد حركتها. ولا تقبل في الوقت ذاته بفوضى شاملة تخرج عن السيطرة. وإنما تفضل مستوى من التوازن الهش القابل للإدارة.
في مراحل سابقة ساد تصور بأن إدخال بعض الدول في حالة من السيولة السياسية قد يسهم في إعادة ترتيب المشهد الإقليمي وتقليص قدرتها على اتخاذ قرار مستقل. غير أن التجربة أثبتت أن هذه المقاربة لا تصلح مع جميع الدول. وأن كلفة الفوضى في بعض الحالات تتجاوز أي مكاسب محتملة.
وتُعد مصر نموذجًا واضحًا لذلك. فهي دولة مركزية ذات مؤسسات راسخة. وأي اضطراب واسع فيها لا يقتصر أثره على الداخل. بل يمتد فورًا إلى ملفات إقليمية شديدة الحساسية. تشمل القضية الفلسطينية. وليبيا. والبحر الأحمر. وأمن الملاحة والطاقة. ومن هنا تغيّر التقدير الدولي. وأصبح استقرار مصر ضرورة استراتيجية لا عبئًا سياسيًا.
العلاقة بين القاهرة وواشنطن تطورت إلى علاقة احتواء وتوازن. تقوم على دعم محسوب وضغوط محسوبة. من دون تبعية أو صدام. وفي المقابل أدارت مصر موقعها بسياسة هادئة قائمة على التوازن. من خلال الحفاظ على قنواتها مع الولايات المتحدة. وتوسيع شراكاتها مع قوى دولية أخرى. بما يتناسب مع طبيعة النظام العالمي المتغير.
وفي ملف القضية الفلسطينية تحديدًا يبرز الدور المصري بوضوح. فمصر لا تكتفي بإصدار المواقف. بل تضطلع بدور عملي في إدارة التهدئة. وتنظيم حركة المعابر. وفتح قنوات الاتصال. ومنع اتساع دائرة الصراع. وهو دور معترف به إقليميًا ودوليًا. وأي ترتيب أمني أو سياسي يخص قطاع غزة من دون الدور المصري يظل ترتيبًا ناقصًا وقابلًا للانهيار.
وفي المقابل يظل أمن إسرائيل أولوية ثابتة في الحسابات الأمريكية. بينما تبقى القضية الفلسطينية ملفًا يُدار أكثر مما يُحل. نظرًا لارتفاع كلفة الحل السياسي الشامل. وعدم توافر الإرادة الدولية الكافية لتحمل تبعاته.
إن النظام العالمي الذي يتشكل اليوم ليس أكثر عدلًا. لكنه أكثر تعقيدًا. ولم تعد القوة تعني فرض الإرادة. بقدر ما تعني القدرة على منع الخسارة الكبرى. وفي هذا السياق تظل الدول التي تدرك وزنها الحقيقي. وتتحرك بوعي وتوازن. هي الأقدر على حجز موقعها في عالم سريع التغير.



