حين تصعد المرأة إلى منصة القرار

بقلم: د. شيماء المتعب

 

لم يكن المشهد الذي شهده مجلس النواب المصري في جلسته الافتتاحية مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل كان إعلانًا صامتًا عن تحوّل حقيقي في بنية السلطة داخل واحدة من أعرق المؤسسات التشريعية في الدولة. لأول مرة، تترأس ثلاث نائبات منصة البرلمان في آنٍ واحد، في لحظة تختزل مسارًا طويلًا من الصبر، والتهميش، ثم الإصرار.

 

القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن في عدد النساء على المنصة، بل في كسر صورة نمطية ظلت لعقود تربط القيادة البرلمانية بالصوت الذكوري وحده. أن تجلس المرأة على منصة إدارة الجلسة، فهذا يعني أنها لم تعد فقط “مُمثلة”، بل أصبحت “مُنظمة” لإيقاع النقاش، وحارسة لقواعد التشريع، وشريكة في ضبط ميزان السلطة تحت القبة.

 

هذا المشهد يفرض علينا إعادة طرح السؤال الأهم: هل كان غياب المرأة عن مواقع القيادة سابقًا نقصًا في الكفاءة؟ أم نقصًا في الاعتراف؟

الإجابة باتت واضحة؛ الكفاءة كانت حاضرة دومًا، لكن الفرصة تأخرت.

 

الأكثر دلالة أن هذا الحدث جاء في الجلسة الافتتاحية، أي في اللحظة التي تُرسم فيها صورة البرلمان أمام الرأي العام. وكأن الرسالة تقول بوضوح: إن الجمهورية الجديدة – إن صح التعبير – لا تُدار بعقلٍ أحادي، ولا بمنظورٍ واحد، بل بتعدد الرؤى واختلاف الخبرات.

 

ومع ذلك، لا يجب أن نقع في فخ الاحتفاء الرمزي وحده. فالمعركة الحقيقية لا تُحسم بالصورة، بل بالاستمرار. التحدي القادم هو أن يتحول هذا المشهد من “استثناء تاريخي” إلى “واقع مؤسسي”، تُقاس فيه أدوار النساء بملفاتهن التشريعية، وقدرتهن على التأثير، لا بعدد المقاعد أو اللقطات الإعلامية.

 

ما حدث تحت قبة البرلمان خطوة للأمام، لكنها ليست خط النهاية. هي تذكير بأن تمكين المرأة لا يُمنح، بل يُنتزع بالكفاءة والوعي والحضور الصلب. وحين تصل المرأة إلى منصة القرار، فهي لا تصعد باسمها فقط، بل باسم كل صوتٍ ظل طويلًا خارج المشهد.

ثلاث نائبات في مشهد غير مسبوق منذ تأسيس المجلس. خطوة تحمل دلالات سياسية ومجتمعية عميقة، وتعكس تحولًا تدريجيًا في بنية التمثيل النيابي ودور المرأة داخل مؤسسات صنع القرار في الدولة المصرية.

 

هذا الحدث لا يمكن قراءته باعتباره مجرد ترتيب بروتوكولي، بل يمثل رسالة واضحة بأن الحضور النسائي لم يعد حضورًا رمزيًا أو تكميليًا، بل بات فاعلًا في قلب المشهد التشريعي، وعلى منصة إدارة الجلسات نفسها، بما تحمله من سلطة تنظيمية ورمزية .

ترؤس ثلاث نائبات للمنصة في الجلسة الافتتاحية يعكس توجهًا رسميًا نحو ترسيخ مبدأ المشاركة المتوازنة، ويؤكد أن تمكين المرأة لم يعد مقصورًا على النصوص الدستورية أو نسب التمثيل، وإنما انتقل إلى مواقع القيادة الفعلية داخل المؤسسة التشريعية.

كما يعكس هذا المشهد تطورًا في الثقافة السياسية العامة، وتغيرًا في النظرة التقليدية لدور المرأة في المجال العام، خاصة داخل مؤسسات طالما ارتبطت بالهيمنة .

يحمل المشهد رسالة دعم لكل نائبة داخل المجلس، بأن الكفاءة والخبرة هما معيار التقدم وتولي المسؤولية، لا النوع الاجتماعي.

وخارجيًا، يبعث برسالة إلى الرأي العام الإقليمي والدولي بأن مصر تسير في مسار يعزز مشاركة المرأة في الحكم والتشريع، ويمنحها مساحة حقيقية للتأثير وصناعة القرار.

أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في كونه الأول من نوعه، بل في ما يفتحه من أفق جديد:

هل سيكون بداية لتوسع أكبر في أدوار النساء داخل اللجان النوعية، ورئاسة اللجان، وإدارة الملفات التشريعية الثقيلة؟

وهل يتحول هذا المشهد من سابقة تاريخية إلى ممارسة معتادة تعكس واقعًا مستقرًا لا استثناءً مؤقتًا؟

ما جرى في الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب ليس مجرد صورة عابرة، بل علامة سياسية تحمل معنى التحول، وتؤسس لمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف مفهوم القيادة البرلمانية على أساس الكفاءة والمشاركة، لا على أساس القوالب التقليدية.

إنه مشهد يختصر سنوات من الجدل حول تمكين المرأة، ويضعه أساس وركيزة للمستقبل القادم ،وبناء عليه اختتم مقالى بأن المشهد الحالى ليست قضية نسوية

وليست القضية في عدد النساء على المنصة، بل في ما يرمز إليه صعودهن من كسرٍ للصمت القديم، وإعادة تعريفٍ لمعنى الشراكة في صنع القرار. فحين تتقدم المرأة خطوة إلى الأمام داخل مؤسسة تشريعية، فإن المجتمع كله يُدفَع خطوة نحو الاتزان.

الرهان الحقيقي الآن ليس على الصورة، بل على الاستمرار، وعلى تحويل الحضور النسائي من لحظة فارقة إلى قاعدة راسخة لا عودة عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى