إسدال الستار على أطول انتخابات برلمانية.. المجلس الجديد يستعد لبدء الفصل التشريعي الثالث بتركيبة أكثر تنوعًا

كتبت سوزان مرمر
اكتمل تشكيل مجلس النواب 2026 بعد إعلان السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي قائمة المعينين، وشملت القائمة تعيين 28 شخصية والتي عكست توجهًا واضحًا نحو تدعيم مجلس النواب الجديد بكفاءات متنوعة تمتلك خبرة واسعة في مجالات متعددة.
وكانت الهيئة الوطنية للانتخابات قد أسدلت الستار على أطول انتخابات برلمانية في تاريخ الحياة النيابية المصرية، بإعلان النتائج الرسمية لجولة الإعادة الخاصة بالدوائر التي أُلغيت بحكم من المحكمة الإدارية العليا، والتي تنافس فيها 98 مرشحًا داخل 27 دائرة على 49 مقعدًا بمحافظات المرحلة الأولى.
وبإعلان نتائج الجولة الأخيرة، تكون انتهت الهيئة الوطنية للانتخابات من تنفيذ الجدول الزمني الكامل للعملية الانتخابية، قبل نهاية الفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب لكي يبدأ المجلس الجديد في ممارسة مهامه الدستورية غدا وذلك بعد صدور قرار جمهوري بدعوة المجلس للانعقاد وبدء الفصل التشريعي الثالث .
وكشفت النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب 2025 سواء على الفردي والقائمة عن خريطة سياسية متعددة الأطياف داخل المجلس الجديد، عكست تنوعًا حزبيًا وسياسيا ، و تمثيل مختلف فئات المجتمع، تنفيذًا للنصوص الدستورية التي تُلزم بتحقيق التمثيل العادل للسكان والمحافظات، بما يُحصّن التشكيل النيابي من أي طعون أو شبهات عدم دستورية.
وبحسب القانون، يتشكل مجلس النواب من 568 عضوًا منتخبين بالاقتراع العام السري المباشر، مع تخصيص ما لا يقل عن 25% من إجمالي المقاعد للمرأة، إلى جانب حق رئيس الجمهورية في تعيين عدد من الأعضاء لا يتجاوز 5% من إجمالي عدد الأعضاء، ليصل العدد الكلي لأعضاء المجلس إلى 596 نائبًا منتخبين ومعينين.
وأفرزت الانتخابات منافسة قوية بين الأحزاب السياسية من مختلف التيارات والمستقلين، حيث نجح 15 حزبًا سياسيًا في حجز مقاعد داخل المجلس الجديد بإجمالي 465 مقعدًا بالإنتخاب و23 مقعدا بالتعيين مقابل تمثيل لافت للمستقلين بلغ 108 مقاعد من بينهم 5 معينين بنسبة تقترب من 18%، في مؤشر على استمرار حضورهم كرقم مؤثر داخل المعادلة البرلمانية.
وشهد هذا الاستحقاق الانتخابي حضورًا قويًا للمرأة المصرية، التي واصلت كتابة التاريخ، سواء على مستوى المشاركة أو التمثيل النيابي، وحجزت المرأة 160 مقعدًا بالانتخاب والتعيين في هذا المجلس بنسبة تصل 26%، التزامًا بالنص الدستوري لترسخ مكانتها على كافة المستويات في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي .
كما راعت العملية الانتخابية تمثيل الفئات التي نص عليها الدستور والقانون، وفي مقدمتها المرأة و المسيحيون، والشباب، والعمال والفلاحون، والمصريون بالخارج، وذوي الإعاقة، بما يعكس حرص مؤسسات الدولة على تشكيل مجلس نيابي يعبر عن التركيبة المجتمعية المصرية بكافة أطيافها، ويواكب تطلعات المواطنين في المرحلة المقبلة.
ويقول عبدالناصر قنديل، خبير النظم والتشريعات البرلمانية، إن الانتخابات النيابية التي شهدتها مصر عام 2025 تُعد واحدة من أهم وأصعب العمليات الانتخابية في التاريخ المصري الحديث، لما اتسمت به من طول غير مسبوق وتعقيد في الإجراءات، فضلًا عما أفرزته من تحولات جوهرية في الخريطة السياسية.
ويوضح قنديل – في حديثه مع وكالة أنباء الشرق الأوسط – أن العملية الانتخابية جرت عبر 7 جولات اقتراع متتالية ومتداخلة زمنيًا، وهو ما جعل المواطنين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع بمعدل مرة كل أربعة أيام تقريبًا، في مشهد بالغ الصعوبة من حيث التنظيم والمشاركة.
ويؤكد أن هذا الماراثون الانتخابي تضمن إجراءات غير مسبوقة عكست كفاءة أجهزة الدولة وقدرتها على إدارة الاستحقاقات الكبرى والتعامل مع المتغيرات الطارئة بكفاءة وفاعلية، لافتًا إلى أن تدخل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وما تضمنته رسالته إلى الهيئة الوطنية للانتخابات بشأن ملاحظاته على الجولة الأولى، أسهم في إحداث تطورات بالغة الأهمية عززت الثقة في نزاهة وحيادية العملية الانتخابية.
ويشير قنديل إلى أن هذه الانتخابات شهدت سابقة مهمة، تمثلت في حصول المرشحين على نسخ كاملة من محاضر الحصر العددي لكافة اللجان الفرعية، وهو ما لم يكن معمولًا به من قبل، موضحًا أن الهيئة الوطنية للانتخابات أبطلت نتائج 30 دائرة انتخابية وأعادت الاقتراع بها لعدم إرسال محاضر الحصر العددي، في خطوة أكدت الالتزام الصارم بالقانون.
ويثمن الخبير البرلماني بصرامة تعامل وزارة الداخلية مع المخالفات الانتخابية، لاسيما ما يتعلق بالدعاية غير المشروعة وجرائم الرشوة وشراء الأصوات، مشيرًا إلى تسجيل أعداد غير مسبوقة من الضبطيات خاصة خلال جولات الإعادة، حيث تجاوزت حالات الضبط في 19 دائرة انتخابية ما تم رصده خلال الفترة من 1971 حتى 2010.
ويؤكد قنديل أن الانتخابات أفرزت درجة غير مسبوقة من التنوع السياسي بتمثيل 15 حزبًا سياسيًا إلى جانب المستقلين، حيث شهد البرلمان دخول حزبين للمرة الأولى في تاريخهما رغم حداثة تأسيسهما، لافتًا إلى أن حزب الجبهة الوطنية حصد 65 مقعدًا بالانتخابات، بينما حصل حزب الوعي على مقعد فردي، في مؤشر واضح على حيوية المشهد الحزبي.
ويضيف أن 10 أحزاب من بين الأحزاب الـ12 المشاركة في القائمة الوطنية نجحت في حصد مقاعد فردية، بما يعكس امتلاكها قواعد تنظيمية وشعبية حقيقية، إلى جانب نجاح عدد من الأحزاب خارج القائمة الوطنية في اقتناص مقاعد فردية، وهي أحزاب النور والوعي والمحافظين، بما يعكس تنوع اختيارات الناخبين.
ويؤكد خبير النظم البرلمانية أن برلمان 2026 يختلف جذريًا عن برلمان 2020، في ظل تراجع الهيمنة العددية لأي حزب بمفرده، وتحقيق مبدأ المشاركة لا المغالبة، موضحًا أن حزب مستقبل وطن، رغم حصوله على أكبر عدد من المقاعد بواقع 227 مقعدًا بالانتخاب، لا يمتلك الأغلبية المطلقة، ما يفرض عليه الدخول في تحالفات وتنسيقات برلمانية، وهو ما يعزز من كفاءة الأداء النيابي ويقوي دور المجلس في صياغة سياسات عامة تعود بالنفع على المواطن والوطن.



