دبوس السعادة… حين تُدار الحروب بلا ضجيج

بقلم- الاعلامية صفاء مهنا
ليس من السذاجة فقط، بل من الوهم السياسي، الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تحمل مشاريع سلام أو ديمقراطية أو ازدهار للشعوب. فالتجربة التاريخية تؤكد أن السياسة الأميركية تقوم، في جوهرها، على افتعال الأزمات، وإدارتها، وإدامتها، بما يضمن تفكيك الدول، وإضعافها، والسيطرة على مقدراتها، لا إنقاذها.
الولايات المتحدة لا تصنع الاستقرار، بل تصنع الفوضى المُدارة. أزمات تُخلق بعناية، واستراتيجيات تُرسم بدقة، ونتائج تُحصد على حساب سيادة الدول ودماء الشعوب.
مؤخرًا،أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب دبوسا جديدا على سترته خلال اجتماع في البيت الأبيض الجمعة، أطلق عليه اسم “Happy Trump”.
ظهر الدبوس — الذي يصوّر ترامب بشكل كرتوني تحت دبوس العلم الأميركي التقليدي — وسط أجواء رسمية، لكنه أثار ضحك الحضور.
وعندما سأله صحفيون عن معنى الإكسسوار، قال الرئيس مبتسمًا: “هذا ما يُسمّى ‘Happy Trump’. أهداني إياه شخص ما،وأوضح ترامب، بنبرة دعابية، أنه لا يشعر بالسعادة أو الرضا أبدًا، مضيفًا: “لن أكون راضيًا حتى نجعل أميركا عظيمة مجددا… لكننا نقترب جدا من ذلك
هذه العبارة ليست تفصيلًا عابرًا، بل إعلان صريح عن عصر عودة الإمبراطوريات.
أميركا تسعى للهيمنة على أميركا اللاتينية، الصين تضع تايوان في صلب مشروعها التوسعي، روسيا تتحرك في أوكرانيا، تركيا تمد نفوذها حيثما استطاعت، أما الكيان الإسرائيلي فلا يخفي مشروع «إسرائيل الكبرى» التي لا تزال حدودها تتوسع على حساب الجغرافيا والحقوق.
ضمن هذا المشهد، لا تتوقف مراكز الأبحاث وأجهزة الاستخبارات في تلك الدول عن ابتكار أشكال جديدة من الحروب، أقل وضوحًا من الحروب التقليدية، لكنها أكثر تدميرًا وفاعلية.
في العقود الأخيرة، فرضت ما يُسمى بـالحروب الرمادية نفسها كنمط الصراع الأبرز. حروب لا تُعلن، ولا تُخاض بالجيوش، بل تُشنّ من الداخل. تستهدف وعي المجتمعات، وتنهك الدول بالاستنزاف الطويل، وتفككها عبر الشك، والانقسام، وفقدان الثقة.
تعتمد هذه الحروب على ضرب الأسس لا الواجهات: الهوية الوطنية، الثقة بالمؤسسات، الاقتصاد، والقيم الجامعة. فالدولة التي تتفكك من الداخل لا تحتاج إلى اجتياح خارجي، بل تسقط وحدها.
أخطر ما في هذه الحروب أنها تُدار بينما تعتقد الدول أنها ما تزال في زمن السلم، إذ تُستهدف بأدوات سياسية واقتصادية وإعلامية وسيبرانية، دون إطلاق رصاصة واحدة أو إعلان حرب رسمي.
لم تعد الحروب اليوم تشبه حروب الأمس. لم تعد هناك جبهات واضحة أو نهايات معلنة. إنها حروب صامتة، لكنها شديدة الفتك، تُدار عبر ميليشيات عابرة للحدود بدل الجيوش النظامية، ومنصات إعلامية ممولة بسخاء ترفع شعارات زائفة، وأفراد يُصنعون بعناية ليقودوا الرأي العام ويعيدوا تشكيل الوعي.
هذا النمط من الحروب ليس وليد الصدفة، بل نتاج دراسات وأبحاث عسكرية وأمنية غربية، ارتبطت بمراكز البنتاغون والدراسات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين. وقد بُني على دمج الضغط النفسي والسياسي والاقتصادي والإعلامي في آنٍ واحد.
تبدأ أدواته بحصار اقتصادي طويل، يليه ضغط دولي، ثم دعم أطراف محلية، وإشعال نزاعات طائفية وعرقية، وتدخلات إقليمية، وحملات إعلامية منظمة.
وقد نجحت هذه الحروب بالفعل في تدمير عدد من دول المنطقة، لا لقوتها وحدها، بل بسبب الهشاشة الداخلية لتلك الدول. فلو امتلكت أنظمتها إرادة الإصلاح الحقيقي، ومنحت شعوبها حقوقها، وبنت دولًا عادلة وقادرة، لما تمكنت هذه الحروب من تحقيق أهدافها.
في زمن الحروب الرمادية، لا يُهزم من يخسر مواجهة مع الخارج، بل من ينهار من الداخل.



