تأثير زيارة الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر إلى صوماليلاند على الأمن القومى الصينى

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
جاءت توقيت زيارة وزير الخارجية الصينى “وانغ يى” فى بداية العام الجديد فى ٢٠٢٦، إلى منطقة القرن الأفريقى، وشرق القارة الإفريقية وجنوبها، وتحديداً (الصومال- تنزانيا- ليسوتو- أثيوبيا)، لدفع بناء مجتمع مصير مشترك بين الصين وأفريقيا، وتُعد زيارة وزير الخارجية الصينى للصومال هى الأولى من نوعها لوزير خارجية صينى لأرض الصومال منذ عقود. وذلك رداً على قيام وزير الخارجية الإسرائيلى “جدعون ساعر” بزيارة رسمية إلى “هرجيسا” عاصمة إقليم صوماليلاند الإنفصالى، فى ٦ يناير ٢٠٢٦. وتعد هذه الزيارة الإسرائيلية هى الأولى على مستوى رفيع منذ إعتراف إسرائيل الرسمى بصوماليلاند كدولة مستقلة فى ديسمبر ٢٠٢٥. مما أثار إدانة واسعة من الحكومة الصينية المتضامنة مع العاصمة الشرعية “مقديشو”، لما لتلك الزيارة من أهداف بعيدة تمس الأمن القومى الصينى وتضر بمبادرة الحزام والطريق الصينية، وهنا وصفت الصين زيارة “جدعون ساعر” لصوماليلاند، بأنها “غير قانونية وإنتهاك صارخ للسيادة الوطنية للصومال ووحدة أراضيه”، مع إتهامات صينية لإسرائيل بضلوعها فى عملية تقسيم وحدة الأراضى الصومالية وإحداث إضطرابات واسعة فى منطقة القرن الأفريقى، حيث إعتبرت وزارة الخارجية الصينية، بأن: “محاولات إسرائيل المستمرة لدعم إستقلال صوماليلاند تمثل بدعة خطيرة فى العلاقات الدولية تهدف إلى تمزيق وحدة الصومال”.
لذلك عارضت الصين بشدة فى ديسمبر ٢٠٢٥ أى إعتراف إسرائيلى بإقليم “صوماليلاند” كدولة مستقلة، واصفةً الخطوة بأنها إنتهاك لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى. لذا، حثت وزارة الخارجية الصينية سلطات صوماليلاند علناً على التوقف فوراً عن “التآمر مع قوى خارجية لتحقيق مكاسب سياسية أنانية”، فى إشارة واضحة لإسرائيل. فضلاً عن تلك المخاوف الإستراتيجية للصين، التى ترى بأن تحالف صوماليلاند مع قوى مثل إسرائيل يهدد مبدأ “صين واحدة” ومبادراتها مثل “الحزام والطريق”. لذا جاء الرد الصينى الصارم على هذا الإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند، عبر دعم الصين لسياسة “تعزيز الوجود الصينى فى منطقة القرن الأفريقى والصومال”، رداً على تحركات إسرائيل، حيث تعمل الصين على تعزيز حضورها الإستخباراتى والعسكرى فى الصومال والقرن الأفريقى لمواجهة الخصوم للصين، وعلى رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
وتشير التقارير الإستخباراتية والعسكرية الأخيرة فى يناير ٢٠٢٦، والصادرة عن وزارة أمن الدولة الصينى القائمة بعمل أجهزة الإستخبارات الصينية، إلى وجود مباحثات بين صوماليلاند وإسرائيل حول إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية فى الإقليم، وهو ما تراه الصين تهديداً مباشراً لنفوذها ونفوذ حلفائها كإيران والعديد من بلدان الشرق الأوسط، بما يمثله ذلك بالنسبة للصين من تهديد لمنطقة خليج عدن وباب المندب، ومواجهة نفوذ الوكلاء المقربين للصين والحامين لشبكة مصالحها هناك، مع الرفض الصينى القاطع لسعى إقليم صوماليلاند الإنفصالى لتقديم نفسه كشريك دولى قادر على تأمين طرق الملاحة وحمايتها من التهديدات غير المتماثلة التى تشكلها إيران عبر وكلائها فى اليمن بدعم سخى من جهاز الموساد الإسرائيلى وتل أبيب.
وترفض الحكومة الصينية أى شرعنة لكيانات إنفصالية خارج الإجماع الدولى كصوماليلاند، خاصةً وأن بكين لديها قلق داخلى من سوابق الإنفصال. وترى بكين أن هذا الإعتراف الإسرائيلى بصوماليلاند يهدد أمنها فى منطقة القرن الأفريقى، خاصةً مع إستثماراتها الكبيرة فى المنطقة، ويتعارض مع مصالحها هناك بسبب هذا التدخل الإسرائيلى السافر فى الشئون الداخلية لدولة الصومال الشرعية المستقلة. ويتسق موقف الصين فى مواجهة الدعم الإسرائيلى لإنفصال صوماليلاند مع سياسة داخلية صينية صارمة ضد الإنفصال، حيث ترى كافة الدوائر الإستخباراتية والعسكرية والفكرية فى الصين، بأن أى تساهل فى ملف “صوماليلاند” قد يوفر سوابق لقضايا داخلية أخرى، مثل (تايوان والتبت وشينغيانغ)، وغيرها.
وهنا يتوقع بأن تؤدى هذه الزيارة الإسرائيلية لصوماليلاند إلى توتر فى العلاقات الصينية – الإسرائيلية. حيث تعتبر بكين زيارة وزير الخارجية الإسرائيلى لصوماليلاند، بأنها محاولة إسرائيلية لتقويض إستقرار الصومال والمنطقة ككل. حيث تُعارض الصين إنفصال صوماليلاند بشكل قاطع وتدعم بقوة وحدة أراضى الصومال، وهو موقف ثابت للسياسة الخارجية الصينية التى تتمسك بمبدأ عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وقامت الصين بدعم الحكومة الفيدرالية فى الصومال. وفى يناير ٢٠٢٦، جددت الصين دعمها للعاصمة الصومالية الشرعية مقديشو خلال جولة وزير خارجيتها “وانغ يى” فى المنطقة، حيث تم التأكيد على أن بكين ترفض أى محاولة لتقسيم الصومال. مع تأكيد وزارة الخارجية الصينية بأن إقليم صوماليلاند “جزء لا يتجزأ” من الأراضى الصومالية، وتعتبر قضية الإقليم شأناً داخلياً بحتاً يجب حله من قبل الصوماليين أنفسهم وفقاً للدستور الصومالى المستقل.
وتربط الدوائر المعنية فى الصين بين الموقف الإسرائيلى الداعم لإنفصال صوماليلاند وبين الدعم الإسرائيلى لنظام الدفاع الجوى التايوانى الجديد متعدد الطبقات المسمى (تى – دوم) وربطه بنظام القبة الحديدية الإسرائيلى فى مواجهة الصين، حيث تنظر الصين إلى قضية صوماليلاند بحساسية شديدة لأنها تربط بين الحركات الإنفصالية هناك وبين وضع تايوان، لذا فهى تعارض أى إعتراف دولى بالأقاليم المنفصلة خشية أن يصبح ذلك سابقة تُستخدم ضدها فى تايوان وبين أقلياتها الدينية والعرقية المتعددة، والبالغ عددهم ٥٦ أقلية عرقية ودينية معترف بها من قبل لجنة شئون الأقليات الدينية التابعة لإشراف الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين.
ومن أجل ذلك، تنظر الدوائر الإستخباراتية والعسكرية فى بكين، إلى زيارة “جدعون ساعر” على أنها خطوة إسرائيلية تهدف إلى كسر التوازنات الإقليمية، مما يتصادم بشكل مباشر مع الموقف الصينى الداعم لوحدة الصومال، ويُشكل مصدر قلق أمنى وإستراتيجى لبكين فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة للمصالح الصينية. حيث تمتلك الصين مصالح إقتصادية وأمنية كبيرة فى منطقة القرن الأفريقى، بما فى ذلك الإستثمارات الصينية فى البنية التحتية والموانئ، وتعتبر الصين بأن إستقرار المنطقة أمراً بالغ الأهمية لمبادرة الحزام والطريق الصينية. كما تعتبر الدوائر المعنية فى الصين، بأن أى تصعيد أو عدم إستقرار فى منطقة القرن الأفريقى المحيطة بالصومال، قد يهدد مصالح الصين الإستثمارية وخطوط الإمداد البحرية الحيوية قرب خليج عدن. ومن أجل ذلك، تقيم الصين علاقات وثيقة مع الحكومة الفيدرالية فى “مقديشو” وتدعمها سياسياً ودبلوماسياً، وتعتبر الصين بأن أى خطوة قد يتخذها الجانب الإسرائيلى فى الإعتراف بصوماليلاند، سوف تضعف الحكومة المركزية فى العاصمة الشرعية مقديشو، وتعتبر تهديداً للمصالح الصينية فى تلك المنطقة.
كما حللت أجهزة الإستخبارات الصينية هدف زيارة وزير الخارجية الإسرائيلى لصوماليلاند من تعزيز النفوذ الإسرائيلى فى منطقة إستراتيجية تقع عند ملتقى المحيط الهندى والبحر الأحمر، قرب ممرات الشحن البحرى الهامة التى إستهدفها الحوثيون، كما توقعت الدوائر العسكرية الصينية بأن هدف تلك الزيارة الإسرائيلية لصوماليلاند كذلك، هو بحث التعاون العسكرى الإسرائيلى الصوماليلاند المشترك لمواجهة التهديدات الأمنية فى المنطقة المحيطة بصوماليلاند وإسرائيل. ومن أجل ذلك تضامنت الحكومة الصينية مع نظيرتها الحكومة الصومالية الفيدرالية بشدة الزيارة، وإعتبرتها الدوائر المعنية فى بكين، بمثابة “توغلاً غير مُصرّح به” وإنتهاكاً لسيادتها ولأمنها القومى فى منطقة الشرق الأوسط.
ومن أجل ذلك، تضامنت الصين مع موقف مصر وأكثر من ٢١ دولة أخرى، أصدروا جميعاً بياناً مشتركاً يدين الزيارة الإسرائيلية لصوماليلاند، ويعتبرها إنتهاكاً للسيادة الصومالية. وكانت الصين أحد أقوى الداعمين الدوليين مع مصر لوحدة الصومال والأراضى الصومالية، وترفض أى تحركات دبلوماسية أو إقتصادية إسرائيلية لدعم إقليم صوماليلاند الإنفصالى، كما أدانت كافة الدوائر الإستخباراتية والتحليلية الصينية كافة تلك الصفقات الإستثمارية والتجارية والإقتصادية بين صوماليلاند وإسرائيل، مثل صفقات الموانئ التى تقوض سيادة مقديشو، وتهدف لإعطاء شرعية لإنفصال صوماليلاند عن وطنها الأم.
وبناءً عليه نفهم تلك النظرة الصينية لصوماليلاند، كأداة لإختراق إسرائيلى وأمريكى سافر فى منطقة القرن الأفريقى، بينما ترى صوماليلاند فى تحالفاتها الجديدة مع حكومة تل أبيب، بمثابة وسيلة لتعزيز أمنها القومى ضد التهديدات الإقليمية التى تتصدرها العديد من القوى الإقليمية فى الوقت الحالى الرافضة لإنفصال صوماليلاند عن الوطن الأم فى مقديشيو.



