الموقف الصينى من إعتقال رئيس فنزويلا وزوجته

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
جاء الإستفزاز الأمريكى تحديداً للصين بإعلان القبض على الرئيس الفنزويلى “نيكولاس مادورو” وزوجته، بعد أقل من ١٠ ساعات للقاء وإجتماع للرئيس الفنزويلى “نيكولاس مادورو”، مع مبعوث الرئيس الصينى “شى جين بينغ” فى فنزويلا. وهو الأمر الذى ربما تعمدته الولايات المتحدة الأمريكية من خلال إختيار هذا التوقيت بالأخص فى الإعلان بالتخلص من نظام حكم “مادورو”، وإرسال رسالة أمريكية مباشرة لبكين، من تضاؤل نفوذ الصين الجيوسياسى داخل فنزويلا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبى الحديقة الخلفية لواشنطن، بعد تغيير نظام الحكم فى العاصمة الفنزويلية “كاراكاس”، وفقدان بكين الإتصال بسبب ذلك بالحكومة الفنزويلية وشبكتها هناك. وهو ما إعتبرته الصين بأنه أعنف تدخل عسكرى أجنبى لترامب خلال فترة رئاسته.
ومن أجل ذلك، تصاعدت مخاوف الحكومة الصينية على جاليتها الصينية الكبيرة فى فنزويلا وعمالتها الكبيرة هناك، محذرة مواطنيها عبر بيان رسمى، من السفر إلى فنزويلا فى المستقبل القريب. ولعل أكثر ما يخيف الجانب الصينى فى الوقت الحالى بعد فقدان الإتصال بحليفها الرئيس الفنزويلى “نيكولاس مادورو”، هو تخوفها وقلقها على سلامة مواطنيها الصينيين والعاملين والمنظمات الصينية الموجودة فى فنزويلا، فلقد حثتهم الصين على مراقبة الوضع الأمنى المحلى عن كثب، وتعزيز التدابير الوقائية والإحتياطات اللازمة فى حالات الطوارئ، وتجنب السفر غير الضرورى، والإبتعاد عن مناطق النزاع أو المناطق الحساسة وفى حالة الطوارئ، طلبت منهم السلطات الصينية الإتصال فوراً بالشرطة وبالسفارة الصينية فى فنزويلا لطلب المساعدة.
وفى المقابل إتهمت السلطات الصينية إدارة الرئيس “ترامب”، بالسعى للسيطرة على إحتياطيات فنزويلا النفطية، وهى الأكبر فى العالم وضرب مصالح الصين. وهو ما وجدت تحليلات مراكز الفكر والإستخبارات الصينية دلالة ومؤشرات هامة له، فى توسع (شركة شيفرون الأمريكية للنفط) فى إنتاجها داخل فنزويلا رغم العقوبات الأمريكية نفسها المفروضة على إنتاج أو تصدير النفط الفنزويلى للخارج، وما يثبت صحة وجهة النظر الإستخباراتية والتحليلية الصينية، هو منح (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية)، المعروف بإسم:
OFAC
فى نوفمبر ٢٠٢٣، لشركة النفط الأمريكية “شيفرون” لعدة موافقات إستثنائية لإستئناف صادرات النفط الخام من مشاريعها المشتركة فى فنزويلا. وفى أكتوبر ٢٠٢٥، حصلت (شركة شيفرون الأمريكية للنفط) كذلك على تصريح لإنتاج النفط فى فنزويلا من جديد. وهو الأمر الذى يثبت تلك المعايير المزدوجة الأمريكية فى تعاملها مع فنزويلا والنفط الفنزويلى، للإضرار بشبكة مصالح الصين وحلفائها معها كروسيا وإيران وكوريا الشمالية، وفق ما تقضيه المصالح الأمريكية فى مواجهة الجميع.
ولم تقدم الولايات ‌المتحدة الأمريكية وفقاً للتحليلات الصينية على مثل هذا التدخل المباشر فى شئون أمريكا اللاتينية، منذ غزو دولة بنما المجاورة لفنزويلا عام ١٩٨٩، للإطاحة بزعيمها العسكرى حيئذ “مانويل نوريغا”، وهو ما إستنكرته كافة الدوائر المعنية فى بكين. وهو الأمر الذى إعتبرته الأجهزة الأمنية والعسكرية والإستخباراتية فى بكين بمثابة تحدى مباشر للصين وحلفاؤها فى منطقة الكاريبى وأمريكا اللاتينية. وهنا جاء الرفض الصينى القاطع لتصريحات الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب”، بأن: “الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو قد تم القبض عليه ونقله جواً خارج البلاد برفقة زوجته، وبأن تلك العملية تمت لإنفاذ القانون الأمريكى، ووعده بتقديم تفاصيل إضافية لاحقاً”.
في المقابل، دعمت وزارة الدفاع الصينية تصريحات وزير الدفاع الفنزويلى “فلاديمير بادرينو” وما نشره فى مقطع فيديو نشر يوم السبت الموافق ٣ يناير ٢٠٢٦، من أن “بلاده ستقاوم وجود القوات الأجنبية، وبخاصةً الأمريكية، وبأن الهجوم العسكرى الأمريكى قد إستهدف مناطق مدنية، وبأن فنزويلا وشركاؤها فى الوقت الحالى يعملون على جمع المعلومات حول كافة الخسائر التى سببتها لهم واشنطن بتدخلها السافر فى شؤونهم الداخلية”. ويأتى هذا التصعيد فى وقت يشهد توتراً غير مسبوق بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا والصين كأكبر داعم للنظام الفنزويلى، وسط تحذيرات من إحتمال تصعيد عسكرى واسع النطاق فى المنطقة.
وبناءً على تلك المعلومات أعلنت الحكومة الصينية عن مساندتها للحكومة الفنزويلية الحالية فى نشر قوات شعبية عسكرية شرطية لضمان السيادة والسلام على مختلف الأراضى الفنزويلية، داعية شعوب وحكومات أمريكا اللاتينية والعالم للتعبئة والتضامن ضد العدوان الإمبريالى الأمريكى. كما أعلنت الصين بصفتها عضواً دائماً فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بدعوته للإنعقاد فوراً فى جلسة طارئة، للإقرار بشجب وإستهجان هذا التدخل الأمريكى فى الشئون الداخلية لفنزويلا ولتغيير نظام الحكم بالقوة والإستيلاء على السلطة، ولتأكيد الشرعية الدولية للإعتداء الأمريكى السافر على فنزويلا، وإقرار حق فنزويلا فى الدفاع عن نفسها لحماية سيادتها وأمنها ضد أى تدخل أو عدوان خارجى تقوده واشنطن التى يجب إدانة سلوكياتها فوراً وفرض عقوبات عليها وبأنه يجب إحترام مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وفق ما أعلنته المصادر الرسمية والدبلوماسية فى بكين، التى أعلنت تمسكها بالمبادئ الأساسية للقانون الدولى، وفى مقدمتها حظر إستخدام القوة. وأيدت بكين عقد جلسة لمجلس الأمن الدولى بشأن فنزويلا، مشددة في الوقت نفسه على ضمان حق فنزويلا فى تقرير مصيرها دون تدخل خارجي عسكرى.
وهنا جاءت التحذيرات الصينية المستمرة والمنتقدة للتدخل الأمريكى السافر فى الشئون الداخلية لفنزويلا، وإتهام الصين وفنزويلا للولايات المتحدة الأمريكية بتسببها عن وقوع إنفجارات فى العاصمة الفنزويلية “كاراكاس”، وتحليق طائرات عسكرية أمريكية على إرتفاع منخفض فوق الأراضى الفنزويلية قبل الإعلان الأمريكى المعلن بشأن الإطاحة بنظام “مادورو”، مع إتهام الحكومتين الصينية والفنزويلية للولايات المتحدة الأمريكية بـ “العدوان العسكرى على فنزويلا لتغيير نظام الحكم والإطاحة بالرئيس مادورو”، وذلك بشن عدوان أمريكى واسع فى المناطق المدنية والعسكرية فى العاصمة الفنزويلية كاراكاس وولايات ميراندا وأراغوا ولا غوايرا فى فنزويلا.
وبناءً عليه، ترفض الصين بشدة التدخل الأمريكى فى الشئون الفنزويلية وتشجب وتدين ما ورد فى تصريحات الرئيس الأمريكى “ترامب” من إعتقال الرئيس الفنزويلى “مادورو” وزوجته. ووفق ما صرح به الرئيس الصينى نفسه “شى جين بينغ” منذ بدء العدوان الأمريكى على فنزويلا، بأن: “الصين تدعم فنزويلا فى حماية سيادتها وأمنها القومى وكرامة الأمة والإستقرار الإجتماعى وتعارض الصين وبشدة تدخل القوى الخارجية فى الشؤون الداخلية لفنزويلا”. وتدرك الحكومة الصينية جيداً بأن الهدف الأمريكى المعلن الخاص بالسيطرة على الالسواحل الفنزويلية بسبب الإرهاب والمخدرات، لهى كلها إتهامات شكلية أمريكية لفنزويلا بهدف السيطرة على نظام الحكم والإستيلاء على مقدرات فنزويلا من النفط الذى يتم تصديره للصين وحول العالم، وهى نفسها الإتهامات الأمريكية التى وجهت للرئيس الفنزويلى “مادورو” فى أكتوبر ٢٠٢٠، بتهم وجهتها محكمة اإحادية أمريكية إلى “مادورو” بالتورط فى الإرهاب المرتبط بالمخدرات والتآمر لإستيراد الكوكايين إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفى أغسطس ٢٠٢٥، رفعت (وزارة العدل الأمريكية) المكافأة المرصودة لمن يدلى بمعلومات تؤدى إلى القبض على “مادورو” نفسه إلى ٥٠ مليون دولار أمريكى، وهو ما إحتجت عليه الصين فى حينه، لإلمامها التام بالرغبة الأمريكية فى السيطرة على حديقتها الخلفية فى أمريكا الجنوبية واللاتينية ومنطقة الكاريبى المحيطة بفنزويلا وحدودها المتاخمة والإتيان بقادة جدد موالين لأجندة واشنطن فى مواجهة الصين ومصالحها فى تلك المنطقة. وتشير السفارة الأمريكية فى العاصمة الكولومبية “بوغوتا”، إلى أن فنزويلا تخضع لأعلى مستوى من التحذيرات المتعلقة بالسفر منذ ٣ ديسمبر ٢٠٢٥.
فقد كانت فنزويلا أول دولة ناطقة بالإسبانية تدخل فى “شراكة تنمية إستراتيجية” مع الصين منذ عام ٢٠٠١، وهو ما أثارحفيظة وغضب واشنطن حينئذ، مما أدى إلى فتح مليارات الدولارات من التجارة بين الصين وفنزويلا ونتج عنه إستمرار توطين المهاجرين الصينيين داخل الأراضى الفنزويلية لرعاية مصالح الصين داخل البلاد. ومن أجل ذلك، جاء الرد الأمريكى المعلن على تلك العلاقات الإستراتيجية الوثيقة بين الصين وفنزويلا للإضرار بشبكة مصالحها فى أغسطس ٢٠١٧، بفرض إدارة الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” لعدة عقوبات منعت فنزويلا من الوصول إلى الأسواق المالية الأمريكية، وفي مايو ٢٠١٨، وسعتها واشنطن لتشمل منع شراء الديون الفنزويلية، الأمر الذى أدى لخنق الإقتصاد الفنزويلى، والذى بات يعتمد بشكل كبير على علاقاته التجارية والإقتصادية الوثيقة مع الصين وشريكتها الروسية والإيرانية والكورية الشمالية فى مواجهة مضايقات ومساومات واشنطن المستمرة للنظام الفنزويلى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى