وفاة بريجيت باردو… أسطورة السينما الفرنسيه عن عمر 91 عاما

وفاة بريجيت باردو… أسطورة السينما الفرنسيه عن عمر 91 عاما
✍️ بقلم: طه المكاوي
برحيل بريجيت باردو في 28 ديسمبر 2025، تُسدل السينما الفرنسية، ومعها السينما الأوروبية، ستارها على واحدة من أكثر أيقوناتها تأثيرًا وإثارة للجدل.

لم تكن باردو مجرد ممثلة لامعة أو وجه جميل تصدر الملصقات، بل ظاهرة ثقافية أعادت تعريف صورة المرأة على الشاشة، وخلخلت المفاهيم الجمالية والأخلاقية السائدة، ودفعت السينما إلى مواجهة أسئلتها الكبرى حول الحرية، الجسد، والتمرد.

رحلت باردو عن عمر ناهز 91 عامًا داخل منزلها في سان تروبيه، المدينة التي اختارتها عزلة أخيرة، بعد صراع مع مرض السرطان، لتغلق فصلًا استثنائيًا من تاريخ الفن السابع، فصلًا لا يمكن قراءته بعيدًا عن الجدل بقدر ما لا يمكن تجاهله فنيًا.
أيقونة خرجت من الإطار
ظهرت بريجيت باردو في خمسينيات القرن الماضي ككسرٍ حاد للصورة الأنثوية التقليدية في السينما الأوروبية. لم تكن المرأة الرومانسية الوديعة،

ولا الفاتنة الخاضعة لنظرة الرجل، بل جسدت نموذج المرأة الحرة، الغريزية، التي تتحرك وفق إيقاعها الخاص، بلا اعتذار أو تبرير.
مع فيلم «وخلق الله المرأة» (1956) للمخرج روجيه فاديم، لم تولد نجمة فحسب، بل وُلدت صدمة ثقافية كاملة.

الفيلم أعاد طرح الجسد الأنثوي بوصفه حقيقة وجودية لا عنصرًا تزويقيًا، وواجه هجومًا رقابيًا وأخلاقيًا واسعًا، لكنه في المقابل فتح أبوابًا جديدة أمام سينما أكثر جرأة وصدقًا في تناول الرغبة والهوية.
من الإغواء إلى الفلسفة
في فيلم «الازدراء» (1963)، الذي أخرجه جان لوك غودار، انتقلت باردو إلى مساحة أكثر تعقيدًا. هنا لم يعد الجسد محور الإغراء، بل أداة تفكير بصري داخل مشروع سينمائي حداثي يناقش انهيار العلاقات، والاغتراب العاطفي، وصدام الفن مع السوق.
قدمت باردو شخصية امرأة صامتة، متباعدة، تنسحب تدريجيًا من الحب والعالم، في أداء كشف قدرتها على تجاوز صورة الرمز الجنسي، والتحول إلى كيان درامي متعدد الطبقات، لتصبح جزءًا من مشروع الموجة الجديدة الفرنسية دون أن تفقد حضورها الجماهيري.
الثورة والمرأة
في «فيفا ماريا» (1965) للمخرج لوي مال، ظهرت باردو في قالب مختلف، حيث جمعت بين الكوميديا والمغامرة والسياسة. جسدت امرأة تشارك في الفعل الثوري، لا كرمز زخرفي، بل كقوة فاعلة، في عمل ساهم في إدخال المرأة إلى قلب الخطاب السياسي داخل السينما الشعبية الأوروبية.
أما فيلم «حياة خاصة» (1962)، فكان أقرب إلى مرآة شخصية تعكس ثمن الشهرة. امرأة تطاردها الأضواء حتى العزلة، في قراءة مبكرة لأزمة النجومية وضغط الصورة العامة، وهي ثيمة ستصبح لاحقًا محورًا مهمًا في السينما الأوروبية الحديثة.
اعتزال في ذروة المجد
في أوائل السبعينيات، اتخذت باردو قرارًا صادمًا باعتزال التمثيل وهي في قمة شهرتها. لم يكن انسحابًا مؤقتًا، بل قطيعة كاملة مع السينما، اختارت بعدها حياة أكثر انعزالًا، كرّستها للدفاع عن حقوق الحيوانات، وأسست واحدة من أبرز المؤسسات الأوروبية المعنية بحمايتها.
هذا الاعتزال المبكر عزز أسطورتها بدل أن يُضعفها، وجعل حضورها السينمائي أكثر كثافة في الذاكرة، وكأنها اختارت أن تتوقف في اللحظة المناسبة، قبل أن تستهلكها الصناعة.
الجدل… الوجه الآخر للأسطورة
لكن مسيرة باردو لم تكن فنية فقط. فقد تحولت في العقود الأخيرة إلى شخصية سياسية مثيرة للانقسام، بسبب آرائها اليمينية المتطرفة وتصريحاتها المناهضة للهجرة، والتي أدت إلى إدانتها خمس مرات بتهم خطاب الكراهية.
هذا التناقض بين الفنانة المتحررة والناشطة السياسية المتشددة جعل من إرثها محل جدل دائم، لكنه في الوقت نفسه كشف عن شخصية لم تعرف التوافق، وفضّلت الصدام، سواء مع المجتمع أو السلطة أو الرأي العام.
وداع على طريقتها
جاءت جنازتها، التي أُقيمت في كنيسة نوتردام دو لاسومبسيون بسان تروبيه، بسيطة بلا مظاهر رسمية، بعد رفض زوجها برنارد دورمال عرض الحكومة الفرنسية تنظيم تأبين وطني. وداع يشبه صاحبة الرحيل: مستقلًا، حادًا، ومخلصًا لاختياراته.
حتى كلماتها الأخيرة، التي حملت طرافة سوداء، بدت كأنها مشهد ختامي من فيلم لم تخرجه السينما، بل أخرجته الحياة نفسها.
إرث لا يُختزل
بريجيت باردو ليست صورة جميلة من زمن مضى، بل منعطفًا تاريخيًا في تطور السينما الأوروبية. امرأة ساهمت في تحرير صورة الجسد، ودفعت الفن إلى مواجهة محرماته، ومهّدت الطريق أمام أجيال من الممثلات لتقديم نماذج أكثر استقلالًا وتعقيدًا.




