بين الصواريخ والاستثمارات..ترامب يعيد رسم مقاربة واشنطن لفنزويلا

بين الصواريخ والاستثمارات..ترامب يعيد رسم مقاربة واشنطن لفنزويلا

✍️ بقلم: طه المكاوي

في لحظة سياسية لافتة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء موجة ثانية من هجمات كانت متوقعة على فنزويلا، مبرّرًا قراره بما وصفه بـ«خطوات إيجابية» من جانب كراكاس، أبرزها التعاون مع واشنطن والإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء السياسيين. قرار يبدو، في ظاهره، انتصارًا للدبلوماسية وخفض التصعيد، لكنه في عمقه يعكس تحوّلًا براغماتيًا في أدوات النفوذ الأميركي، حيث تتقدّم المصالح الاقتصادية حين تتهيأ الفرصة، حتى وإن ظلّ السلاح حاضرًا في الخلفية.

اللافت في خطاب ترامب أنه لم يقدّم الإلغاء بوصفه تنازلًا، بل كحصيلة «تقييم للتطورات الأخيرة والتواصل مع الجهات المعنية». هذه اللغة تُبقي اليد الأميركية على الزناد، وتُرسل رسالة مزدوجة: واشنطن مستعدة للمكافأة إذا استجابت كراكاس، لكنها لن تتردّد في العودة إلى التصعيد إن تراجع الالتزام بمسار خفض التوتر. إنها سياسة العصا والجزرة بصياغة حديثة، تُدار فيها الأزمات عبر مزيج من الضغط العسكري والاختراق الاقتصادي.

غير أن البعد الاقتصادي يفرض نفسه بقوة هنا. فإعلان ترامب عن استثمارات لا تقل عن 100 مليار دولار من شركات النفط الكبرى، ولقائه المرتقب مع هذه الشركات في البيت الأبيض، يكشف أن الملف الفنزويلي لم يعد سياسيًا أو حقوقيًا فحسب، بل بات ساحة تنافس على الطاقة والنفوذ. فنزويلا، بما تملكه من احتياطيات نفطية هائلة، تمثّل رهانًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله في حسابات واشنطن، خصوصًا في ظل تحوّلات أسواق الطاقة العالمية.

رؤية تحليلية

إذا نظرنا إلى هذه التطورات من منظور استراتيجي، يمكن القول إن القرار الأميركي يعكس تحولًا ملموسًا في إدارة الأزمات الخارجية: من التصعيد العسكري المباشر إلى إدارة النفوذ عبر أدوات غير تقليدية تشمل الاستثمار الاقتصادي والتحفيز السياسي. في هذا السياق، قد تُفهم خطوة ترامب ليس فقط كخطوة إنسانية أو دبلوماسية، بل كاختبار لقدرة واشنطن على فرض شروطها الاقتصادية والسياسية دون اندلاع مواجهة مسلحة جديدة.

كما أن هذه الاستراتيجية تحمل رسائل مزدوجة لكل من الداخل والخارج: للمواطن الأميركي، أن ترامب يسعى لتحقيق نتائج ملموسة قبل الانتهاء من ولايته؛ وللفنزويليين، أن التعاون مع واشنطن يمكن أن يخفف من الضغط المباشر، ولكنه مشروط بالالتزام بخطوات ملموسة على الأرض. أما بالنسبة للأسواق العالمية، فهي تأخذ إشارات واضحة حول إمكانية ضخ استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة، وهو ما يعزز موقع الولايات المتحدة في سباق النفوذ الدولي.

في المقابل، يثير القرار انقسامًا داخل الولايات المتحدة حول حدود الدور الأميركي في فنزويلا. فهناك من يرى أن خفض التصعيد يمنح النظام الفنزويلي فرصة لإعادة ترتيب أوراقه دون ضمانات حقيقية للإصلاح السياسي، بينما يعتبر آخرون أن أي إفراج عن سجناء سياسيين—even إن كان محدودًا—يمثّل خطوة يجب البناء عليها بدل إجهاضها بالقوة. هذا التباين يعكس سؤالًا أعمق: هل تقود الولايات المتحدة التغيير بالقوة، أم بالمصالح، أم بمزيج محسوب بين الاثنين؟

المفارقة أن خطاب «السعي إلى السلام» الذي تبنّاه ترامب يتجاور مع لغة الاستثمارات العملاقة. السلام هنا ليس قيمة مجردة، بل شرط عملٍ للأسواق، وضمانة لاستقرار يفتح الأبواب أمام الشركات الكبرى. وفي هذا السياق، يبدو إلغاء الهجوم الثاني كرسالة طمأنة للأسواق بقدر ما هو رسالة سياسية لكراكاس.

خلاصة القول، إن قرار ترامب لا يُنهي الأزمة الفنزويلية، لكنه يعيد تموضعها. هو اختبار لمدى قدرة الدبلوماسية المشروطة على تحقيق مكاسب ملموسة، واختبار في الوقت ذاته لالتزام فنزويلا بتغيير السلوك مقابل تخفيف القبضة الأميركية. وبين الصواريخ التي جرى إرجاؤها والاستثمارات التي جرى التلويح بها، تتشكّل معادلة جديدة: من يربح فيها هو من يُحسن قراءة اللحظة… ومن يدفع ثمن الخطأ قد لا تُتاح له فرصة ثانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى