العالم فى 2049 «2»

بقلم د.شيرين العدوى
وماذا عنا نحن؟ هل أبوابنا مفتوحة للعملاق الصيني؟! هكذا ختمت معك عزيزى القارئ مقالى السابق بنفس السؤال الذى ختم به اللواء د. أشرف أحمد البديوى كتابه 2049 عام هيمنة التنين. هل سترفع الحرب الأوكرانية الصين على عرش العالم؟ أما عنا ويقصد «مصر» بالطبع، فإن مصر لا أحد يتوقع مستقبل أيامها؛ لأن من يرأسها قوى ومخابراتى فى آن واحد؛ يعرف متى يعلن قوته ومتى يصمت. ولا أحد يدرك قوة شخصيته المصرية ولا عمقها. وهذا كلام ليس للاسترسال ولكنه واقع معاش جربناه آلاف المرات وقت الشدائد. وهذا ما أشار له الكاتب تلميحا دون تصريح. فكاتبنا أيضا لواء أركان حرب خاض الكثير؛ ولكنه يكشف عن القليل.
فكيف إذن صعد التنين من ركام أوكرانيا من وجهة نظر د. أشرف البديوى؟! وسأقرأ ما كتب من خلال نظرية العصبية عند ابن خلدون والاستجابة لتونبى دون أن أفرضهما على النص، بل النص من فرض نفسه على النظريات. فمن منظور ابن خلدون “العصبية” ليست مجرد رابطة دم أو قرابة، بل هى قوة تلاحم اجتماعى وسياسى تهدف إلى نيل “المُلك” أو السلطة والسيادة. وفى السياق الجيوسياسى المعاصر، نجحت الصين فى تحويل مبادرة “الحزام والطريق” من مشروع اقتصادى إلى رابطة عصبية دولية تجمعها بالدب الروسى، وذلك عن طريق
أولا: المصالح الاقتصادية فوفرت لروسيا شريان حياة خاصة بعد العقوبات الغربية واستثمرت فى البنية التحتية الروسية وربطت أنابيب الغاز والطاقة بالأسواق مما خلق نوعا من الالتحام العضوى، هذا الالتحام جعل بقاء «الدب» قوة حيوية لاستمرار «التنين» وهو جوهر العصبية التى تهدف لحماية المجموعة.
ثانيا: التصدى للعصبية الغربية فالعصبية عند ابن خلدون تقوى عند وجود «خطر خارجى» لقد استغلت الصين مبادرة الحزام والطريق لتقديم نموذج بديل للنظام الليبرالى الغربى، فالحرب فى أوكرانيا، وضغوط الناتو جعلت الصين وروسيا تشعران بأنهما مستهدفتان من «عصبية غربية» مهيمنة؛ هنا تحولت المبادرة إلى مظلة سياسية توحد رؤيتهما لمستقبل العالم المتعدد الأقطاب، مما خلق عصبية شرقية تتجاوز المصالح التجارية إلى وحدة المصير الاستراتيجي.
ثالثا: قوة الجذب واحتواء الهامش. ابن خلدون يوضح أن الدولة القوية تجذب إليها العصبيات الأضعف، فمن خلال الحزام والطريق، قدمت الصين لروسيا دور الشريك الاستراتيجى الأكبر فى أوراسيا. هذا التحالف سمح لروسيا بأن تكون “الذراع العسكرية والأمنية” فى مناطق المبادرة، بينما مثلت الصين القلب الاقتصادى. توزيع الأدوار هذا؛ بنى الثقة وعزز التلاحم بين القيادتين فى الكرملين وبكين.
رابعا: طبقا لنظرية الاستجابة؛ الصين لم تبن هذه العصبية عبثا؛ بل استجابة ذكية لضمان الوصول إلى عرش العالم بمئوية الثورة الصينية 2049. وكانت مبادرة «الحزام والطريق» الأداة التى مكنت الصين من ترويض التحديات «الجيوسياسية»، فجعلت من روسيا حليفا لا غنى عنه فى صراعها الطويل الأمد مع الولايات المتحدة. هكذا مثلت الحرب الأوكرانية زلزالا استراتيجيا أعاد تشكيل موازين القوى فى العالم. ظهرت فيه الصين كلاعب ذكى استثمر الاضطراب لإعادة التموقع.
إن 2049 ليس مجرد رقم، بل هو الموعد المصيرى والرمزى لاستكمال ملامح الهيمنة التامة. فالتنين أحسن القراءة التاريخية بمرونة اقتصادية.
المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية


