الأخلاق مصدرها الانسانية وليس الدّين

كتبت د : ليلي الهمامي
إشكالية العلاقة بين الاخلاق والدين إشكالية محسومة انثروبولوجيا وسوسيولوجيا. “اميل دوركايم” يقول بأن الاخلاق تبدأ عندما يبدأ التعلق بالمجموعة، بمعنى أن المجتمع ينتج، من خلال ذلك التعاقد الضمني، مؤسسات من ضمنها المؤسسة الاخلاقية. بأي معنى نتحدث عن مؤسسة اخلاقية؟ بمعنى أننا نتحدث عن سلّم قيم، وبمعنى أننا نتحدث عن منظومة واجبات عُليا، تتجاوز الأفراد، وتنظّم العلاقات بينهم داخل المجتمع. هذه هي الاخلاق ! الأخلاق تصدر عن العادة، وعن التقاليد، وتصدر عن العقل… وتصدر الأخلاق ايضا عن الدين. وعندما نتحدث عن الأخلاق الدينية، نتحدث عن ظاهرة كونية.
الدين كما يقول “لوكراس” موجود في كل مجتمع. الدراسات الانثروبولوجية تؤكد ان في القبائل والثقافات التوطنية كانت هنالك مقدسات ومحرمات. وأينما وجدنا محرمات، وجدنا امرا اخلاقيا يدعو الى ترك هذا الفعل او ذاك… الذهاب الى أن ضعف الوازع الديني من شأنه أن يُضعف الوازع الانساني، الشعور الإنساني، أن يضعف الضمير الاخلاقي…، هو قول نسبيّ، يختلف باختلاف السياقات، ويختلف باختلاف المجتمعات، ويتطور بتطور الرهانات …
الحروب الدينية؛ الحروب الصليبية، حروب الردة في الاسلام، الحرب بين الكاثوليك والبروتيستون والسان بارتوليمي… كل هذه المعطيات تؤكد أن الحديث عن وازع ديني من شأنه أن يوجّه، -نحو الخير ونحو السلام-، الانسانية، -أو جزء منها على الأقل-، هو قولٌ فيه مبالغة لا تخلو من خلفيات إيديولوجية معلومة.
المسألة في ان حروبا كانت أشد فتكًا واشدّ وحشيّة من أخرى. هو في اخر الامر، هو امر متصل بطبيعة السلاح وبطبيعة أدوات القتل، بما لا يقارن الحرب العالمية الاولى والثانية، عندما تقارن بالحملة الصليبية، عندما تقارن بالحروب الصليبية، عندما تقارن بحروب الردة، عندما تقارن بالصراع بين الكاثوليك والبورتستان… اكيد الارقام نسبية، لا علاقة لها بتلك الأعداد الهائلة في المطلق، التي فتكت بها الاسلحة الحديثة النووية في نهايه الحرب العالمية الثانية في هيروشيما او نجازاكي.
أعتقد انه من المفيد ان ننأى بالحوار عن السياقات الايديولوجية وعن الحسابات المخفية، -التي تكاد تكون مخفية-، والمفضوحة في حقيقه الامر… أعتقد أن الوازع المحدد في كل سلوك انساني هو الانتماء للانسانية. الكونية هي الانسانيه التي تدفعنا نحو ادانه العنف، نحو ادانة الجريمة، نحو تاهيل الاجيال للحوار ولتبادل الافكار، وللتعاقد والتفاوض درئا لمخاطر العنف…. هذه هي الاخلاق الكونية التي من شأنها ان تلغي، -الى حد كبير، او ان تحد، -لنكون أكثر واقعية-، من العنف والحرب…
دون ذلك: حروب تقام باسم الدين، حروب تقام باسم التكفير حروب تقام باسم الواجب المقدس في نشر رسالة، الحملات الاستعمارية – كل الحملات الاستعمارية، -وهنا لن أُخصّص-، كانت باسم الدين وباسم نشر كلمة الله، وباسم الفتح المبين، وباسم التبشير… كل هذا دون ان نخوض في التفاصيل وبالطبع باسم هذا الواجب كانت البندقية، وكانت السيف، وكان القتل وكان إقامة الحد…
كل هذا أمر معلوم، -لن نعود اليه-. وإن عدنا إليه زيارة، فلبيان أن هنالك شيء أهم وأبقى، وهذا الشيء هو الإنسانية. الإنسانية هي المرجع الأول لأخلاق تضمن التعايش بين العناصر المختلفة، بين الديانات المختلفة، حتى وان كانت تلك الديانات، وتلك العناصر، متنافية ومتنافرة.
د. ليلى الهمامي.


