خنجر توت عنخ أمون.. هل جاءت معادنه من القمر؟ 

في كل مرة يظن فيها العالم أن أسرار الحضارة المصرية القديمة قد كُشفت، يظهر اكتشاف جديد يعيد فتح الأسئلة من جديد.

وهذا ما يفعله اليوم خنجر الملك توت عنخ أمون، الذي دفع المؤرخ والباحث في علم المصريات بسام الشماع إلى طرح سؤالًا جريئا، لكنه محسوب بدقة، وهو : هل يمكن أن يكون الحديد النيزكي الذي صُنع منه خنجر توت عنخ أمون مرتبطًا بالقمر؟

خنجر الملك توت عنخ أمون

ويؤكد الشماع في تصريحات للعين الإخبارية، أن السؤال ليس ضربا من الخيال، بل محاولة علمية مشروعة للربط بين دراستين.

الخنجر الذي سبق العصر الحديدي

يبدأ الشماع حديثه من الدراسة الأولى، وهي الدراسة اليابانية-المصرية الشهيرة التي حسمت الجدل الأثري الأهم في القرن الحادي والعشرين.

الدراسة أثبتت أن خنجر توت عنخ أمون لم يُصنع من حديد أرضي، بل من حديد نيزكي، وهو أمر بالغ الدلالة، لأن عصر الملك الفرعوني الشاب يسبق العصر الحديدي بقرون طويلة.

ويشرح الشماع: “في زمن توت عنخ أمون، لم يكن الإنسان قد تعلم بعد صهر الحديد أو تسخينه لدرجات تسمح بتشكيله. ومع ذلك، نحن أمام خنجر متقن الصنع، ما يعني أن المادة نفسها جاءت جاهزة من السماء”.

الدراسة كشفت أن الحديد ينتمي إلى مجموعة الأوكتاهيدريت، وهي أشهر أنواع النيازك الحديدية، وتميزت بوجود بنية داخلية نادرة تُعرف باسم هيكل ويدمانشتاتن ، وهو نمط بلوري لا يتكون إلا في نيازك بردت ببطء شديد داخل أجرام سماوية.

ويضيف الشماع: “وجود هذا الهيكل مع النسبة المتوسطة من النيكل، يقطع الشك باليقين، وهو أننا لا نتعامل مع معدن أرضي، بل مع مادة كونية خالصة”.

حديد مؤكسد على سطح القمر.. مفاجأة علمية

وينتقل الشماع إلى الدراسة الثانية، الأحدث زمنيًا، والتي جاءت من القمر نفسه، حيث أعلن علماء مهمة “تشانغ 6 ” الصينية اكتشاف بلورات الحديد المؤكسد (Fe₂O₃) في تربة القمر، وتحديدا في حوض القطب الجنوبي – أيتكين، وهو واحد من أقدم وأعمق أحواض الاصطدام في النظام الشمسي.

يوضح الشماع أن هذا الاكتشاف صادم علميًا، لأن الاعتقاد السائد لعقود كان أن الحديد على القمر يوجد فقط في صور مختزلة بسبب غياب الغلاف الجوي والأكسجين.

لكن البلّورات المكتشفة تشير إلى أن ارتطامات كونية هائلة خلقت درجات حرارة شديدة وأنتجت بيئات مؤقتة غنية بالأكسجين سمحت بتكوّن معادن مثل الهيماتيت والماغهيمايت.

ويعلق الشماع: “نحن أمام قمر لم يعد مجرد صخرة ميتة، بل جسد شهد عمليات كيميائية معقدة بفعل الاصطدامات الكونية”.

السؤال الذي لا يمكن تجاهله

وهنا يطرح بسام الشماع سؤاله المحوري، بنبرة هادئة لكنها حاسمة: “إذا كان القمر يحتوي على حديد، بل وعلى حديد مؤكسد تشكل بفعل ارتطامات كونية، وإذا كانت النيازك التي تصل إلى الأرض تأتي أحيانًا من أجرام قريبة، فلماذا لا نطرح احتمال أن بعض النيازك الحديدية التي عرفها الإنسان القديم قد يكون مصدرها القمر؟”.

ويؤكد الشماع أنه لا يجزم بإجابة، لكنه يدعو إلى دراسة جديدة متعددة التخصصات تجمع بين علم النيازك والجيوكيمياء القمرية والتحليل النظائري الدقيق والدراسات الأثرية المصرية.

ويضيف: “المصريون القدماء أطلقوا على الحديد اسم با-إن-بت، أي “معدن السماء”،ربما كانوا يعرفون أكثر مما نتصور، أو على الأقل لاحظوا أن هذا المعدن لا يشبه ما تحت أقدامهم”.

خنجر الملك توت عنخ أمون

 

من الخيال إلى البحث العلمي

ويشدد الشماع على أن الربط بين خنجر توت عنخ أمون والقمر لا يعني تبني فرضية غير مثبتة، بل فتح باب علمي مشروع، فالعلم يتقدم بالأسئلة الجريئة، لا بالإجابات الجاهزة، وما نملكه الآن هو معطيات تستحق أن تُفحص معا، لا أن تُترك كل في جزيرته.

ويختم بقوله: “خنجر توت عنخ أمون ليس مجرد قطعة أثرية، بل رسالة قادمة من السماء. والسؤال الآن: من أي سماء تحديدا؟”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى