سلسلة أسماء الله الحسنى.. معنى اسم الله الجامع

كتبت سوزان مرمر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لله تسعة وتسعون اسم مائة الا واحدة من احصاها دخل الجنة
يبرز اسم “الجامع” كواحد من أبهى تجلِّيات أسماء الله الحسنى، فليس مجرد صفة لله، بل هو دعوة عميقة للتأمُّل في معنى الوحدة والاتحاد، فهذا الاسم يحمل في طيَّاته أسراراً وأنواراً، تنعكس على الكون بأسره، ومن ثمّ على حياة الإنسان، مؤكّدًا على أن “الاتحاد قوة”.
فاسم “الجامع”: يشير إلى الله الذي يجمع المتفرقات، ويضم الشتات، ويوحد المتنافرات. هو الذي يجمع الخلق كلهم ليوم الحساب، ويجمع بين أضداد الكون في تناغم بديع– الليل والنهار، السماء والأرض، الروح والجسد–؛ لتشكِّل لوحة فنية متكاملة. هذا التناغم الكوني ليس وليد الصدفة، بل هو تجلٍّ لقوة الجمع الإلهية التي تخلق الانسجام من التنوع.
فهذا النظام البديع، يعكس بوضوح اسم الله “الجامع”، الذي يمسك بزمام الأمور، ويضمن استمرار هذا الاتحاد الكوني يقول الله -تعالى- في كتابه الكريم: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [سورة يس: آية ٤٠].
أما على صعيد الإنسان، فنجد أثر اسم “الجامع” يتجلى في فطرته التي تميل إلى الاجتماع والتعاون، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين، فلا بد أن يجتمع الأفراد، وتوحَّد جهودهم نحو أهداف مشتركة، فالأيدي المتصافحة أقوى من الأيدي المتفرقة، والقلوب المتآلفة أصلب في مواجهة التحديات، وعندما يتحد الأفراد، تتضاعف قواهم، وتتجسد مقولة “الاتحاد قوة” على أرض الواقع، يعبر عنها قول الله -عز وجل-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: ١٠٣]. فهذه الآية خير دليل على أهمية الجمع والوحدة بين المسلمين، وأنها نعمة من الله تستوجب الشكر، فهذا التعبير الإلهي بالمن والنعمة، دعوة صريحة؛ للتمسك بما يجمع، ونبذ ما يفرق؛ لأن في ذلك الخير، والبركة، والقوة، والتي جميعها من تجليات اسم الله “الجامع”.
وفي الحديث الشريف يؤكد النبي – صلى الله عليه وسلم- على أهمية الجماعة والاتحاد، وخطورة التفرق والتشرذم؛ فعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: “إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة” (رواه أحمد في “المسند”)، ففي هذا الحديث تحذير نبوي، يؤكد أن التفرق يضعف الفرد، ويجعله فريسة سهلة، بينما الجماعة تحميه، وتقويه، فالاجتماع حصن حصين ضد وساوس الشيطان، ومكائده.
استلهام اسم الله الجامع ضرورة حياتية
وفي ظل الوضع الراهن يصبح استلهام معنى اسم “الجامع” أكثر إلحاحًا، لا سيما فيما يخص وحدة الأمة، والوطن، فالخلافات والنزاعات، سواء كانت على مستوى الأفراد أو الأمم، هي نتاج الابتعاد عن مبدأ “الجمع”، فعندما يتغلب مبدأ الأنا، وتتفكك الروابط، يضعف الاجتماع، وتتلاشى القوة، ولكن عندما تتجه القلوب والجهود نحو هدف مشترك، مستلهمة من اسم الله “الجامع” وحدتها وقوتها، يمكن تجاوز الصعاب، وتحقيق المعجزات، فكم من أمم نهضت من رماد التفرق بفضل وحدتها؟ وكم من مجتمعات تجاوزت أزماتها بفضل تماسكها؟، فهذه القوة ليست مجرد قوة مادية، بل هي قوة روحية، تنبع من الإيمان بوحدة المصير، ووحدة الهدف، ووحدة الإنسانية، إنها قوة تُحدث تحولًا جذريًا في مسار الأمم، محولة الضعف إلى عزم، واليأس إلى أمل.



