الحرب العالمية الثالثة… الكواليس المفتوحة

بقلم: ناصر السلاموني

لم تعد فكرة الحرب العالمية الثالثة ضربًا من الخيال السياسي أو سيناريو نظريًا يُتداول في مراكز الدراسات، بل باتت مشروعًا يجري الإعداد له منذ سنوات خلف الأبواب المغلقة. فما يشهده العالم اليوم من تحركات عسكرية مفاجئة، وتهديدات علنية، وعمليات تمس سيادة الدول، ليس سوى مقدمات عملية لإعادة تشكيل النظام الدولي بالقوة لا بالقانون. نحن أمام انتقال واضح من مرحلة التوتر إلى الفعل، ومن لغة التصريحات إلى منطق الصدام المباشر.

وفي هذا المشهد، تبدو الولايات المتحدة وقد نصّبت نفسها عمليًا سيدةً على العالم، تتصرف بوصفها المرجعية العليا للقوة والقرار، فتقتحم قصور الحكم متى شاءت، وتختطف قادة الدول أو تفرض إخراجهم قسرًا من مناصبهم، وتُعدّ لوائح الاتهام وحدها، ثم تنفذ العقوبة، دون تفويض دولي أو مساءلة حقيقية. لقد باتت واشنطن خصمًا وحكمًا وجلادًا في آنٍ واحد، بينما يقف النظام الدولي عاجزًا، بلا أدوات ردع فعالة.

وليس هذا توصيفًا إنشائيًا، بل تؤكده سوابق تاريخية موثقة. فقد أُطيح برئيس تشيلي سلفادور أليندي عام 1973 في انقلاب دموي جرى بدعم أمريكي، وانتهى بمقتله داخل القصر الرئاسي. وفي عام 1989 غزت الولايات المتحدة بنما واختطفت رئيسها مانويل نورييغا ونقلته مكبلًا إلى واشنطن لمحاكمته هناك. وفي العراق، اعتُقل الرئيس صدام حسين عام 2003 عقب الغزو الأمريكي، في مشهد مثّل ذروة انتهاك السيادة الوطنية. أما في أوروبا، فقد مارست واشنطن ضغوطًا سياسية وأمنية مكثفة أدت إلى تسليم الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوشيفيتش إلى محكمة لاهاي. وفي منطقة الكاريبي، أُجبر رئيس هايتي جان برتران أريستيد عام 2004 على مغادرة بلاده في عملية وُصفت دوليًا بأنها ترحيل قسري برعاية أمريكية. ولم تكن أمريكا الوسطى بعيدة عن هذا المسار، إذ أُطيح برئيس هندوراس مانويل زيلايا عام 2009 في انقلاب حظي بدعم أمريكي غير مباشر. هذه الوقائع مجتمعة ترسم نمطًا ثابتًا لدولة تتعامل مع العالم باعتباره ساحة نفوذ مفتوحة لا تحكمها إلا موازين القوة.

وفي هذا السياق المقلق، أقدمت الولايات المتحدة على إرسال نخبة قواتها الخاصة إلى أوروبا في تحرك غير مسبوق من حيث الحجم والنوعية. عشر طائرات نقل عسكرية أمريكية من طراز C-17A غلوب ماستر حطّت في قاعدة راف فيرفورد الجوية البريطانية، محمّلة بوحدات تُعد من أخطر وأسرع قوات التدخل في الجيش الأمريكي، من بينها فوج المظليين 75 المعروف بالرينجرز، والفرقة 101 المحمولة جوًا الملقبة بالنسور الصارخة، وسرب العمليات الخاصة 160 المتخصص في العمليات الليلية والدعم الجوي السري. اللافت أن هذا الانتشار جرى دون أي بيان رسمي من البنتاغون أو وزارة الدفاع البريطانية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول طبيعة المهمة الحقيقية، وهل نحن أمام مناورة عسكرية عابرة أم استعداد لعملية خاطفة تتجاوز حدود القارة الأوروبية.

وفي قلب هذا المشهد المتصاعد، برزت فنزويلا كحلقة جديدة في سلسلة الاستهداف الأمريكي المنهجي للدول الغنية بالموارد. فقد وُجّهت اتهامات جنائية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، أعقبتها عملية عسكرية انتهت باعتقالهما، في سابقة تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وسيادة الدول. وما يزيد المشهد وضوحًا أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يتجاوز 303 مليارات برميل، أي ما يقارب خمس الاحتياطي العالمي، الأمر الذي يبدد كل الروايات الأخلاقية المعلنة ويكشف الحقيقة العارية: النفط هو الهدف، ومن يملكه يصبح مشروع إسقاط.

وتزامنًا مع ذلك، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته التهديدية في أكثر من اتجاه، متجاوزًا الأعراف الدبلوماسية، ومطلقًا تصريحات مباشرة ضد إيران وكوبا والمكسيك وكولومبيا، وصولًا إلى الدنمارك عبر المطالبة بالسيطرة على جزيرة جرينلاند بذريعة الأمن القومي. وجرينلاند، التي قد تبدو للبعض أرضًا جليدية نائية، تُعد في الواقع موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، غنيًا بالمعادن النادرة وقريبًا من طرق الطاقة والملاحة العالمية، ما يجعلها هدفًا جديدًا ضمن خريطة التوسع وإعادة رسم النفوذ.

ويأتي هذا التصعيد في وقت يشهد فيه العالم اشتعالًا متزامنًا لعدة بؤر توتر، من استمرار الحرب في أوكرانيا، إلى تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، مرورًا باضطرابات داخلية في عدد من الدول، وانتشار عسكري أمريكي واسع في أكثر من مسرح عمليات. وجود وحدات النخبة الأمريكية في هذه اللحظة لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً دفاعيًا، بقدر ما هو استعداد لتدخل مباشر وسريع، وهو ما أكدته تصريحات رسمية تحدثت عن استعداد واشنطن لاستخدام “القوة العسكرية الحاسمة في أي مكان حول العالم” متى اقتضت المصالح ذلك.

أما على المستوى الدولي، فقد جاءت ردود الفعل باهتة لا تتجاوز بيانات القلق ودعوات التهدئة ومناشدات الحوار. ورغم تحذيرات صدرت عن روسيا والصين من انتهاك السيادة، وتعبير دول أوروبية ولاتينية عن قلقها، فإن أحدًا لم يتحرك فعليًا لوقف ما يجري. العالم يكتفي بالمشاهدة، بينما تمضي الولايات المتحدة في فرض إرادتها بالقوة، مستندة إلى تفوق عسكري منفلت وعجز دولي واضح.

إن ما يحدث اليوم يؤكد حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها، وهي أن القانون الدولي بات مجرد نصوص تُستدعى عند الحاجة وتُداس عند تعارضها مع المصالح، وأن النظام العالمي يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة تقوم على منطق القوة لا التوازن. فهكذا تُمهَّد الحروب الكبرى: بصمت دولي مريب، وتفوق عسكري بلا قيود، وعالم يراقب الكارثة وهو يظن أنها لن تطاله. لكن التاريخ يعلّمنا أن النار، حين تشتعل، لا تعترف بالحدود، ولا تستثني أحدًا من لهيبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى