قراءة تحليلية موسّعة في تدشين أولى دورات الوطنية للأمن السيبراني

 قراءة تحليلية موسّعة في تدشين أولى دورات الوطنية للأمن السيبراني

✍️ بقلم: طه المكاوي

في عالم يتسارع فيه التحول الرقمي بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الأمن القومي يُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها الجغرافية، بل بقدرتها على تأمين فضائها السيبراني، وحماية بياناتها، ومنع اختراق بنيتها المعلوماتية.

ومن هذا المنطلق، يكتسب تدشين أولى دورات الأكاديمية الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة دلالة تتجاوز إطار التدريب أو الاحتفال، ليُقرأ كخطوة استراتيجية ضمن إعادة صياغة مفهوم الأمن الوطني في العصر الرقمي.

الأمن السيبراني… من تخصص تقني إلى قضية سيادية

خلال السنوات الماضية، أثبتت التجارب الدولية أن الهجمات السيبرانية قد تكون أكثر تأثيرًا من العمليات العسكرية التقليدية، حيث تستطيع في دقائق معدودة تعطيل مطارات، أو شلّ شبكات كهرباء، أو اختراق أنظمة مالية، أو بثّ فوضى معلوماتية تُربك الرأي العام وتُضعف الثقة في مؤسسات الدولة.

من هنا، بات الأمن السيبراني قضية سيادية بامتياز، تمس القرار السياسي، والاستقرار الاقتصادي، والأمن الاجتماعي، وهو ما يفسر إدراج هذا الملف ضمن أولويات الدولة المصرية، ليس فقط عبر تطوير البنية التكنولوجية، بل من خلال بناء الإنسان القادر على إدارة هذه المنظومة المعقّدة.

الاستثمار في الإنسان… خط الدفاع الأول

يمثل تركيز الأكاديمية الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة على إعداد الكوادر البشرية تحولًا جوهريًا في فلسفة المواجهة، إذ لم تعد الحلول التقنية وحدها كافية في ظل تطور أساليب الهجوم السيبراني، بل أصبح العنصر البشري المؤهل هو الحلقة الفاصلة بين الاختراق والحماية.

وتستهدف الدورات الوطنية إعداد قادة يمتلكون القدرة على التحليل الاستراتيجي، واتخاذ القرار في بيئات ضاغطة، وفهم التداخل بين التكنولوجيا والسياسة والأمن، وهو ما يضع هذه التجربة في سياق متقدم مقارنة بالعديد من النماذج الإقليمية.

رسائل الدولة من منصة الافتتاح

جاءت كلمات الافتتاح لتؤكد أن الدولة المصرية باتت تتعامل مع الأمن السيبراني باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي الحديث. وقد حملت هذه الكلمات مضمونًا واضحًا يدعو إلى الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منهج استباقي، يقوم على التخطيط، وبناء القدرات، ورفع الوعي العام، والتعامل مع الفضاء الرقمي كساحة أمنية مكتملة الأركان.

الدكتور عمرو هيكل… بناء الأمن السيبراني برؤية علمية

وفي هذا الإطار، يبرز دور الدكتور عمرو هيكل كأحد الأصوات الأكاديمية والاستراتيجية التي تتبنى مقاربة شاملة لملف الأمن السيبراني، تنطلق من الربط بين التكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية، ومتطلبات الأمن القومي في صورته الحديثة. إذ يؤكد في أطروحاته أن الأمن السيبراني لا يمكن تحقيقه عبر الأدوات التقنية وحدها، بل من خلال منظومة متكاملة قوامها الإنسان المؤهَّل، والتشريع الواعي، والثقافة المجتمعية الداعمة.

ويركّز الدكتور عمرو هيكل على أهمية إعداد قادة قادرين على فهم التهديدات الرقمية في سياقها السياسي والاقتصادي والمجتمعي الأوسع، وليس التعامل معها باعتبارها حوادث تقنية منفصلة. فالهجوم السيبراني، وفق هذه الرؤية، قد يكون وسيلة ضغط سياسي، أو أداة لإرباك الاقتصاد الوطني، أو مدخلًا للتأثير على الوعي العام وصناعة الرأي العام.

كما يولي اهتمامًا خاصًا بملف الذكاء الاصطناعي، باعتباره عنصرًا حاسمًا في منظومة الأمن السيبراني الحديثة، سواء على مستوى الدفاع أو الهجوم. ويؤكد أن هذه التقنية، رغم ما توفره من قدرات هائلة في الرصد والتحليل والتنبؤ، تفرض في الوقت ذاته تحديات أخلاقية وأمنية معقدة، تستوجب أطرًا تنظيمية واضحة، وكوادر مدرَّبة على توظيفها بشكل مسؤول وآمن.

وفي هذا السياق، يبرز دوره في دعم المبادرات الوطنية التي تهدف إلى نقل الأمن السيبراني من النطاق النخبوي إلى المجال المؤسسي والمجتمعي، عبر برامج تدريبية وتوعوية تستهدف بناء وعي رقمي شامل، يبدأ من القيادات ولا ينتهي عند الأجيال الصغيرة، بما يضمن استدامة هذا الوعي على المدى الطويل.

الذكاء الاصطناعي… سلاح ذو حدّين

يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أبرز محركات التحول في الأمن السيبراني، حيث بات قادرًا على تحليل كميات هائلة من البيانات، ورصد الأنماط غير الطبيعية، والتنبؤ بالهجمات قبل وقوعها. غير أن هذا التطور ذاته يحمل مخاطر مضاعفة، في ظل إمكانية توظيفه في شنّ هجمات أكثر تعقيدًا، أو إنتاج محتوى مضلل عالي الدقة.

ومن هنا، تتعاظم أهمية إعداد كوادر وطنية تمتلك القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن إطار وطني أخلاقي وقانوني، يحمي الأمن دون المساس بالقيم المجتمعية أو الحقوق الأساسية.

التكريم كرسالة سياسية ومجتمعية

لا يمكن فصل مشهد تكريم القامات الوطنية والمواهب الواعدة خلال الاحتفالية عن الرسالة الأعمق التي تسعى الأكاديمية إلى ترسيخها. فالتكريم هنا يُقرأ كإقرار بدور النخب الوطنية في صناعة الوعي، ودعم الاستقرار، والمشاركة في بناء الدولة الحديثة، وليس مجرد لفتة بروتوكولية.

كما أن تكريم النماذج الصغيرة يعكس إدراكًا مبكرًا بأن بناء الوعي السيبراني يبدأ من القاعدة، ويستهدف الأجيال الجديدة باعتبارها خط الدفاع المستقبلي للدولة الرقمية.

الأمن السيبراني والتنمية المستدامة

يمثل الأمن السيبراني ركيزة أساسية في مسار التنمية المستدامة، إذ لا يمكن الحديث عن اقتصاد رقمي، أو خدمات ذكية، أو جذب استثمارات، دون بنية رقمية آمنة تحظى بثقة المستخدمين والمؤسسات.

ومن ثم، فإن تعزيز الأمن السيبراني يُعد استثمارًا مباشرًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وليس عبئًا تقنيًا أو أمنيًا، وهو ما يجعل من الأكاديمية الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة أحد أذرع الدولة في تأمين التحول الرقمي الوطني.

نحو عقيدة سيبرانية وطنية

يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها بداية لتشكّل عقيدة سيبرانية وطنية، تقوم على التكامل بين الدولة، والمؤسسات، والمجتمع، والنخب الفكرية، في مواجهة التهديدات الرقمية المتصاعدة.

وهي عقيدة لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على الوعي، والتشريع، والتعليم، وبناء ثقافة عامة تُدرك أن الفضاء السيبراني بات جزءًا أصيلًا من الأمن اليومي للدولة والمواطن على حد سواء.

إن تدشين أولى دورات الوطنية للأمن السيبراني وإعداد القادة لا يمكن اختزاله في إطار احتفالي أو تدريبي، بل يمثل إعلانًا واضحًا عن تحول استراتيجي في فلسفة الأمن القومي المصري، يقوم على استباق المخاطر، وتحصين الداخل، وبناء الإنسان القادر على إدارة معارك غير مرئية، لكنها لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية.

بهذا المعنى، تضع الدولة لبنة جديدة في صرح الدولة الرقمية الآمنة، وتؤكد أن معركة المستقبل لن تُحسم بالسلاح وحده، بل بالوعي، والعلم، والقدرة على توظيف التكنولوجيا لصالح الأمن والاستقرار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى