الاعلامية صفاء مهنا تكتب: الشرعية الدولية أم شريعة الغاب… لمن الغلبة؟

 

لم يعد إسقاط الدول بالقوة حدثًا عابرًا أو استثنائيًا في العلاقات الدولية، بل بات، بصورته الجديدة و«نيو لوكه» السياسي، سابقة خطيرة تهدد أسس النظام الدولي، وتتجاوز تداعياته حدود الدول المستهدفة لتطال الاستقرار العالمي برمّته.

فالقانون الدولي والشرعة الأممية يقومان، في جوهرهما، على مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ كُرِّس بعد أن دفعت البشرية أثمانًا باهظة جراء الحروب التي دمّرت العالم لعقود طويلة. غير أن هذا الأساس بات اليوم مهددًا في ظل عالم يتجه نحو هيمنة القطب الواحد، حيث تُختلق الذرائع وتُفبرك الحجج لإسقاط دول وأنظمة، وتهجير شعوب، وتدمير مؤسسات، تحت منطق القوة الذي يُختصر بشعار غير معلن: «القوة تمنحني الحق»، في تناقض صارخ مع القانون الدولي ومبادئه.

إن إسقاط الدول بالقوة العسكرية الخارجية لا يمرّ دون كلفة؛ بل يخلّف آثارًا كارثية تقود إلى الفوضى وعدم الاستقرار، وتُحدث فراغًا أمنيًا وسياسيًا تستغله قوى متصارعة، غالبًا ما تنزلق معه الأوضاع إلى صراعات أهلية وتفكك مجتمعي. وعلى الصعيد الإنساني، تدفع الشعوب الثمن الأكبر من أمنها واستقرارها، عبر النزوح، وانهيار البنى الاجتماعية والاقتصادية، وتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة صراع مفتوحة.

ومن هنا، فإن الدفاع عن استقرار الدول ليس شأنًا محليًا، بل هو دفاع عن استقرار العالم بأسره. فالمساس بسيادة الدول يقوّض أسس القانون الدولي، ويشرعن استخدام العنف كأداة سياسية، ويطبع الحروب بوصفها خيارًا مشروعًا لإدارة الأزمات، بما يفاقم النزاعات ويغذي دوّامة الصراعات.

أما الثمن الأخطر، فيكمن في تحوّل هذا النهج إلى نموذج يُحتذى، تصبح فيه الدول عرضة لـ«التشبيح السياسي والعسكري»، الأمر الذي يزعزع الأمن الدولي ويُدخل النظام العالمي في حالة هشاشة دائمة.

خلاصة

تُظهر التجارب أن إسقاط الدول بالقوة قد يحقق نجاحًا عسكريًا على المدى القصير، لكنه غالبًا ما يفشل سياسيًا واجتماعيًا على المدى الطويل، تاركًا فراغًا خطيرًا تتصارع عليه قوى متعددة. فسقوط أي دولة بفعل تدخل عسكري خارجي لا يُعد مجرد حدث سياسي عابر، بل اختبارًا قاسيًا للنظام الدولي الذي أُنشئ بعد ويلات الحروب الكبرى لمنع تكرارها.

وبالعودة إلى ميثاق الأمم المتحدة، يُحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالتي التفويض الصريح من مجلس الأمن أو الدفاع عن النفس. ومع ذلك، جرى الالتفاف على هذه القاعدة خلال العقود الماضية. ويُعد غزو العراق عام 2003 مثالًا صارخًا، إذ تم إسقاط الدولة بالقوة دون تفويض أممي، في خرق فاضح للقانون الدولي، خلّف كارثة أمنية وإنسانية لا تزال تداعياتها ماثلة حتى اليوم.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: من يملك صلاحية منح الذرائع لإسقاط الدول وإعادة تشكيل أنظمتها السياسية بالقوة؟

إن الخشية اليوم لا تكمن فقط في النتائج الآنية، بل في التأثيرات طويلة المدى، حيث يجري تكريس واقع دولي هش تُدار فيه الأزمات بمنطق القوة لا بمنطق القانون، وتصبح الفوضى هي القاعدة.

إن الدفاع عن حقوق الدول، وتكريس مبادئ القانون الدولي، ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة لحماية العالم من الانزلاق إلى شريعة الغاب، حيث القوي يأكل الضعيف، وحيث يصبح الجميع، عاجلًا أم آجلًا، بلا حماية تحت سطوة القوة.

فسقوط الدول بالقوة العسكرية الخارجية ليس إلا تقويضًا للشرعية الدولية، وإحلالًا لشريعة الغاب مكان القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى