عَصْرُ القُوَّةِ: كَيْفَ اسْتَخْدَمَتْ إِدَارَةُ تُرَامْبَ أَدَوَاتِ النُّفُوذِ لِإِخْضَاعِ فِنِزُوِيلَا دُونَ تَدَخُّلٍ عَسْكَرِيٍّ؟

إعداد د/شيماء المتعب
شهد النظام الدولي خلال رئاسة دونالد ترامب تحوّلًا ملحوظًا في طبيعة استخدام القوّة، حيث تراجعت التدخلات العسكرية المباشرة لصالح أدوات أكثر تعقيدًا وأقل تكلفة، لكنها أشد تأثيرًا على المدى الطويل. وقد شكّلت فنزويلا نموذجًا بارزًا لهذا التحول، إذ تحولت من أزمة سياسية داخلية إلى ساحة اختبار لاستراتيجية أمريكية جديدة تقوم على الضغط الشامل دون الحرب.
لم تُقدم واشنطن على اعتقال القيادة الفنزويلية أو إسقاطها عسكريًا، لكنها سعت إلى إعادة تشكيل ميزان القوّة داخل الدولة عبر مزيج من العقوبات الاقتصادية، والعزل الدبلوماسي، والتجريم القانوني، في محاولة لإجبار النظام على الانهيار الذاتي.
أولًا: إعادة تعريف القوّة في السياسة الخارجية الأمريكية
اعتمدت إدارة ترامب مقاربة واقعية صِدامية، تقوم على مبدأ أن النفوذ لا يُمارَس بالضرورة عبر الجيوش، بل من خلال التحكم في:
النظام المالي العالمي
شبكات الشرعية الدولية
تدفقات الطاقة
الأطر القانونية العابرة للحدود
في هذا السياق، أصبحت العقوبات أداة مركزية، لا تمهيدًا للحرب، بل بديلًا عنها.
ثانيًا: توظيف القانون كسلاح سياسي
في مارس 2020، أعلنت وزارة العدل الأمريكية توجيه اتهامات جنائية إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وعدد من كبار مسؤولي نظامه، في خطوة غير مسبوقة تجاه رئيس دولة قائم في الحكم.
لم يكن الهدف الفعلي اعتقال مادورو بقدر ما كان:
نزع صفته السياسية
وصمه دوليًا كفاعل إجرامي
تقييد حركته الدبلوماسية
خلق مناخ دولي يسمح بتشديد العزلة
وهكذا تحوّل القانون من إطار للعدالة إلى أداة ضغط جيوسياسي.
ثالثًا: العقوبات الاقتصادية كآلية لإعادة هندسة الدولة
فرضت واشنطن حزمة واسعة من العقوبات استهدفت جوهر الاقتصاد الفنزويلي، وعلى رأسه قطاع النفط، الذي يمثل المصدر الأساسي للعملة الصعبة. وشملت الإجراءات:
تجميد الأصول الخارجية
منع الشركات الدولية من التعامل مع كاراكاس
السيطرة على أذرع نفطية استراتيجية في الخارج
وقد أدت هذه السياسة إلى:
تفاقم الأزمة المعيشية
تراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات
تصاعد الضغوط الاجتماعية الداخلية
إلا أن هذه النتائج، رغم قسوتها، لم تُترجم إلى تغيير سياسي مباشر.
رابعًا: معركة الشرعية والاعتراف الدولي
سعت الولايات المتحدة إلى تقويض شرعية مادورو عبر الاعتراف برئيس معارض بصفته “الرئيس الشرعي”، وهو ما شكّل سابقة في العلاقات الدولية الحديثة.
كان الهدف واضحًا:
خلق ازدواجية في تمثيل الدولة
تشجيع الانشقاقات الداخلية
دفع المؤسسات الدولية إلى إعادة التموضع
لكن غياب إجماع دولي كامل، إلى جانب استمرار سيطرة مادورو على مؤسسات الدولة، حدّ من فعالية هذا المسار.
خامسًا: حدود استراتيجية الضغط الأقصى
رغم شدّة الضغوط، لم يتحقق الهدف المعلن بإزاحة النظام. ويُعزى ذلك إلى عدة عوامل:
1. تماسك المؤسسة العسكرية
2. الدعم الخارجي من قوى دولية منافسة لواشنطن
3. قدرة النظام على تحويل العقوبات إلى خطاب تعبئة داخلية
4. غياب بديل سياسي موحد وقادر على الحكم
وقد أظهرت هذه التجربة أن الضغط الاقتصادي، مهما بلغ، لا يُنتج بالضرورة تحولات سياسية تلقائية.
تكشف الحالة الفنزويلية أن “عصر القوّة” لا يعني بالضرورة الانتصار السريع، بل إدارة صراع طويل الأمد بأدوات غير تقليدية. لقد نجحت إدارة ترامب في إضعاف الدولة الفنزويلية، لكنها أخفقت في إعادة تشكيل نظامها السياسي.
وتثير هذه التجربة تساؤلًا جوهريًا حول مستقبل النظام الدولي:
هل أصبح إخضاع الدول يتم عبر استنزاف شعوبها بدلًا من إسقاط أنظمتها؟
وهل تمثل هذه المقاربة مسارًا مستدامًا، أم وصفة لفوضى دولية مؤجلة؟
في عالم يتراجع فيه منطق الحرب المباشرة، يبدو أن القوّة لم تختفِ، بل غيّرت شكلها… وأصبحت أكثر هدوءًا، وأشدّ قسوة.
بيئة صراع رمادية شملت هجمات سيبرانية وعمليات ضغط أمني، واستعراض قوة دون مواجهة عسكرية مباشرة: استخدام الحروب الحديثة لإيصال رسالة الردع دون عبور عتبة الحرب
في عصر الصراعات الحديثة، أصبح من الممكن ممارسة الضغط السياسي والعسكري على دولة دون اللجوء إلى القتال المباشر. فنزويلا تمثل نموذجًا حيًا لهذه الظاهرة، حيث جمع النظام الأمريكي بين الهجمات السيبرانية، والاستعراضات الأمنية، وعمليات الضغط المتنوعة لتشكيل بيئة صراع مركّبة، تستهدف تقويض قدرة الدولة على الرد دون إطلاق رصاصة واحدة.
وهم الضربة العسكرية
ما جرى في فنزويلا لم يكن هجومًا عسكريًا تقليديًا، بل نموذجًا للحرب الرمادية الحديثة:
الهجمات السيبرانية عطّلت بعض البنية التحتية الأساسية
الطائرات المسيّرة استُخدمت في عمليات مراقبة واستعراض قوة
الحركات الأمنية الداخلية استهدفت إرسال رسالة ردع
كل هذه الإجراءات صممت لخلق الانطباع بوجود تهديد مباشر دون أن تتحول إلى مواجهة عسكرية فعلية، مُظهرةً قدرة الدول الكبرى على إيصال رسائل الردع عبر أدوات غير تقليدية.


