سلسلة المحاربون فى الاسلام .. عمرو بن العاص الجزء ٣

كتبت سوزان مرمر
ننشر الجزء ٣ من السيرة الذاتية لعمرو ابن العاص المحارب الاسلامى
عقاب عمر لعمرو وابنه
يُروى أن محمد بن عمرو بن العاص تسابق مع رجل من أهل مصر، فغلبه الرجل، فضربه محمد، فذهب الرجل إلى عمر بن الخطاب بمنى واشتكى له، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يأتي مع ابنه، ولما أتيا المدينة أمر عمر بتجريد محمد من ثيابه وضربه المصري بالسوط، ثم أمر بعمرو فخرقت ثيابه، عن أنس بن مالكٍ أنه قال: «بينما نحن عند عمر بمنًى إذ دخل عليه رجلٌ من أهل مصر فقال يا أمير المؤمنين إنني استبقت أنا ومحمد بن عمرو بن العاص فسبقته فعدى علي فضربني بين ظهراني المسلمين وهو يقول خذها وأنا ابن الكريمين فجئت أباه أستأذنه فيما صنع بي فحبسني أربعة أشهرٍ ثم أرسلني فخرجت في حاج المسلمين فجئت إليك لتأخذ مظلمتي فقال أعجل علي بعمرو بن العاص وابنه قال فأوتي بهما قال عمر ويحك ما بينتك على ما تقول قال الجند كلهم يا أمير المؤمنين من وافى الحاج منهم فسأل الناس فأخبروه ذلك فدعا بمحمد بن عمرٍو فجرد من ثيابه ثم أمكن المصري من السوط ثم قال له اضرب فضرب المصري وعمر يقول خذها وأنت ابن اللئيمين حتى تركه قال ونحن والله ما نشتهي أن يزيده حتى نزع عنه وقال عمر أما والذي نفسي بيده لو ضربته ما أمسكت يدك عنه ما ضربت ثم قال علي بعمرٍو فأوتي به شيخٌ أصلع فمزقت ثيابه ونحن والله نشتهي أن يوجعه ضربًا ثم قال اضرب فقال يا أمير المؤمنين إنه حبسني ولم يضربني قال أما والله لو ضربته ما أمسكت يدك عنه ما ضربت قل عمرو أما قد فعلت هذا لا نعلم لك قال أجل فاذهب حيث شئت والله يا معشر قريشٍ إن تريدون إلا أن تردوا الناس خولا ما مثلهم ومثلكم إلا كقومٍ اصطحبوا في سفرٍ فقالوا لرجلٍ تقدم فأمنا في صلاتنا وأقسم علينا فيئنا أفأساءوا بذلك أم أحسنوا».
ما بعد ولاية مصر الأولى
عزله
توفي عمر بن الخطاب، وتولى عثمان بن عفان الخلافة في ذي الحجة 23 هـ، وفي سنة 24 هـ عيّن عثمان عبد الله بن سعد بن أبي السرح على خراج مصر، مع بقاء عمرو على الجيش والإدارة في مصر، فاختلف عمرو وعبد الله، فكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان يقول: «إن عمرا كسر الخراج»، وكتب عمرو: «إن عبد الله كسر على حيلة الحرب»، فكتب عثمان إلى عمرو أن ينصرف، وجعل عبد الله بن سعد واليًا لمصر. واختلف المؤرخون في سنة عزل عمرو، فيعتقد البعض أنها في سنة 24 هـ في بداية خلافة عثمان، بينما قال ابن الأثير أن عزل عمرو بن العاص كان سنة 26 هـ. وقال الطبري أنه اعتزل سنة 27 هـ.
مقتل عثمان وموقعة صفين
منمنمة فارسية تصور معركة صفين.
عاد عمرو إلى المدينة المنورة، وقيل بل اعتزل بفلسطين في قصره المسمى (العجلان). ولمّا قُتِل عثمان بن عفان في 18 ذي الحجة سنة 35 هـ، خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجها نحو الشام وقال: «والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله عز وجل بذل من لم يستطع نصره فليهرب» فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد وخرج بعده حسان بن ثابت. ووصل إلى دمشق وبايع عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان سنة 36 هـ. وامتنع معاوية وأهل الشام عن بيعة علي بن أبي طالب، وقالوا لا نبايع حتى يقتص من قتلة عثمان. وبعد موقعة الجمل بعث علي بن أبي طالب جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه للبيعة، فاستشار معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام، فأبوا البيعة حتى يقتص من قتلة عثمان. فاستعد علي لغزو الشام، وأخذ يستنفر الجند، وجهز جيشًا وعسكر بالنخيلة بالقرب من الكوفة، وعندما علم معاوية بتحرك جيش العراق نحو الشام، جمع مستشاريه من أعيان أهل الشام، فبايعوا معاوية على الطلب بدم عثمان والقتال، وقد قام عمرو بن العاص بتجهيز الجيش، وعقد الألوية، وقام في الجيش خطيبًا يحرضهم، فقال: «إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم وأوهنوا شوكتهم، وفلوا حدهم، ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي قد وترهم وقتلهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة ومنهم من قد قتل خليفتكم، فالله الله في حقكم أن تضيعوه وفي دمكم أن تبطلوه.» وساروا إلى صفين، وكان عمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها. واستمر القتال شهرًا في صفين. وما إن دخل شهر المحرم، حتى بادر الفريقان إلى الموادعة والهدنة طمعًا في الصلح.
عادت الحرب على ما كانت عليه، واشتد القتال بين الطرفين، تقدم جيش معاوية في البداية، ولما رأى عمار بن ياسر تقهقر جيش علي وأصحابه، وتقدم خصومه، أخذ يستحثهم، حتى قُتِل، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام. وقال معاوية: «لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلن أهل فارس على أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى،» ثم قال لأصحابه: «اربطوا المصاحف على أطراف القنا». وقيل أن عمرو بن العاص هو من اقترح ربط المصاحف على أطراف القنا، في إشارة لتحكيم القرآن بين الطرفين. وقَبِل علي بن أبي طالب وقف القتال في صفين، ووافق على التحكيم، ورجع إلى الكوفة، وعلّق على التحكيم آمالًا في إزالة الخلاف، وقال: «أنا أولى بذلك».
التحكيم
اتفق الفريقان على التحكيم، فوكل معاوية عمرو بن العاص حكمًا من عنده، ووكل علي أبا موسى الأشعري حكمًا من عنده، وكان مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل في رمضان سنة 37 هـ الموافق 658م. وقد جاء في قصة التحكيم العديد من الروايات التي يختلف عليها أهل السنة والجماعة والشيعة، فالعديد من هذه الروايات يعتقد أهل السنة أنها إما ضعيفة أو موضوعة؛ والعكس أيضًا. وقد ذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه نص الوثيقة:
عمرو بن العاص بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما تَقاضى عليه عليُّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان؛ قاضى عليٌّ على أهل الكوفة ومَن معهم مِن شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومَن كان معهم من المؤمنين والمسلمين.
إنَّا نَنزل عند حكم الله عز وجل وكتابه، ولا يجمع بيننا غيرُه.
وإنَّ كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نُحيي ما أحيا، ونُميتُ ما أمات، فما وجد الحكَمانِ في كتاب الله عز وجل – وهما أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس، وعمرو بن العاص القرشي – عمِلَا به، وما لم يجِدا في كتاب الله عز وجل فالسنَّة العادلة الجامعة غير المفرِّقة.
وأخذ الحَكَمان من عليٍّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنانِ على أنفسهما وأهلهما، والأمَّة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه.
وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهدُ الله وميثاقه على ما في هذه الصحيفة، وأنْ قد وجبت قضيتهما على المؤمنين؛ فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وشاهدهم وغائبهم.
وعلى عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص عهدُ الله وميثاقه أن يَحكما بين هذه الأمَّة، ولا يردَّاها في حرب ولا فُرقة حتى يعصيا.
وأجل القضاء إلى رمضان، وإن أحبَّا أن يؤخِّرا ذلك أخَّراه على تراضٍ منهما.
وإن توفِّي أحَد الحكَمينِ، فإنَّ أمير الشيعة يختار مكانه ولا يألو من أهل المعدلة والقسط.
وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدلٌ بين أهل الكوفة وأهل الشام؛ وإن رضيا وأحبَّا فلا يَحضرهما فيه إلَّا من أرادا.
ويأخذ الحَكَمان من أرادا من الشهود.
ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة.
وهم أنصارٌ على مَن ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحادًا وظلمًا.
اللهمَّ إنَّا نستنصرك على مَن ترك ما في هذه الصحيفة.
عمرو بن العاص
وذكر ابن عساكر أن هذه الوثيقة أُعلنت في شعبان سنة 38 هـ الموافق 659م، فاجتمع الناس إليهما، ويروي أنه كان بينهما كلامًا في السر خالفه عمرو بن العاص، فقدم أبو موسى فتكلم وخلع عليًا ومعاوية، ثم تكلم عمرو فخلع عليًا وأثبت معاوية، فتفرق الحكمان، بايع أهل الشام معاوية في ذي القعدة. علق على هذه القصة ابن كثير الدمشقي فقال: «هذا لا يصح سند به، ولا يرويه إلا من لا يوثق بروايته من الإخباريين التالفين، أمثال أبي مخنف لوط بن يحيى». وروى محمد بن إسماعيل البخاري في التاريخ الكبير رواية تخالف هذه القصة، وتذكر أن أبا موسى وعمرًا اتفقا على خلع عليًا ومعاوية وأن يعهدا بأمر الخلافة إلى أحد أعيان الصحابة الذين توفى النبي وهو راضٍ عنهم، فروى البخاري عن حضين بن المنذر قال: لما عزل عمرو معاوية جاء -أي حضين بن المنذر- فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ نبأه معاوية، فأرسل إليه فقال: «إنه بلغني عن هذا -أي عن عمرو- كذا وكذا، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه. فأتيته، فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى ، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة».
ولايته الثانية على مصر
بعد حادثة التحكيم عاد القتال من جديد واستطاع جانب معاوية أن يحقق بعض الانتصارات، وسار عمرو بن العاص إلى مصر لضمها لسلطان معاوية سنة 38 هـ، وجهزه معاوية في ستة آلاف مقاتل. وكان محمد بن أبي بكر واليها المُعين من قبل علي. فاقتتل الفريقان، فانتصر جيش عمرو بن العاص وقُتل محمد بن أبي بكر على يد معاوية بن حديج. ثم سار عمرو إلى الفسطاط واستولى عليها في صفر سنة 38 هـ. فأقره معاوية واليًا عليها، وأعطاه إياها على أن يعطي عطاء الجند وما بقي فله، واستقرت ولاية مصر لعمرو بن العاص من جديد. روى ابن عساكر أنه لما صار الأمر كله في يدي معاوية استكثر طعمة مصر لعمرو ما عاش، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وبعنايته وسعيه فيه، وظن أن معاوية سيزيده الشام على مصر فلم يفعل معاوية، فتنكر له عمرو فاختلفا، وتدخل بعض المسلمين في الأمر وأصلحوا بينهما، واتفقا على أن تكون لعمرو ولاية مصر سبع سنين، وأن على عمرو السمع والطاعة لمعاوية. وتواثقا وتعاهدا على ذلك، وأشهدا عليهما به شهودًا، ثم مضى عمرو إلى مصر واليًا عليها، وذلك في أواخر سنة 39 هـ، فلم يمكث غير ثلاث سنوات تقريبا حتى مات وهو أمير عليها.
محاولة اغتياله
اجتمع ثلاثة من الخوارج، وأجمعوا أمرهم على قتل علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جميعًا في يوم واحد هو 17 رمضان سنة 40 هـ الموافق 23 يناير 661م. فأما عبد الرحمن بن ملجم فنجح في طعن عليًا في صلاة الفجر بمسجد الكوفة، بسيف مسموم على رأسه. بينما لم ينجح الحجاج التميمي الذي ذهب لاغتيال معاوية، أما الذي ذهب لقتل عمرو، فكان اسمه عمرو بن بكر التميمي، فانتظر في تلك الليلة أن يخرج عمرو من داره ليقتله، لكنه لم يخرج لمرض ألم به، وندب خارجة بن حذافة أن يصلي بالناس، وبينما خارجة في الصلاة فضربه الرجل بالسيف فقتله ظنًا منه أنه عمرو بن العاص، فلما علم أنه ليس بعمرو قال: «أردت عمرًا وأراد الله خارجة»، ولما وقف الرجل بين يدي عمرو بكى فقيل له: «أجزعًا من الموت مع هذا الإقدام» فقال: «لا والله ولكن غمًا أن يفوز صاحبي بقتل علي ومعاوية، ولا أفوز أنا بقتل عمرو»، فأمر عمرو بضرب عنقه فضُرب وصُلب
توفي ليلة عيد الفطر 1 شوال سنة 43 هـ في مصر وله من العمر ثمانية وثمانون سنة، واختلفوا في سنه عند وفاته، قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة. وقال العجلي: عاش تسعًا وتسعين سنة. أما الواقدي فقال أنه مات وهو ابن سبعين سنة. ودفن قرب المقطم. ونقل الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء عن وفاته: «لما احتضر عمرو بن العاص قال: “كيلوا مالي”، فكالوه فوجدوه اثنين وخمسين مدًا، فقال: “من يأخذه بما فيه يا ليته كان بعرًا، ثم أمر الحرس فأحاطوا بقصره فقال بنوه: ما هذا؟ فقال: “ما ترون هذا يغني عني شيئا”.».
وجاء في صحيح مسلم:
عمرو بن العاص أنه بكى طويلاً عند احتضاره، فجعل ابنُه يقول: «يا أبتاه، أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟» قال: فأقبل بوجهه فقال: «إن أفضل ما نُعِد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاثٍ: لقد رأيتني وما أحدٌ أشدّ بغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مُت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه قال: فقبضت يدي، قال: “ما لك يا عمرو؟” قال: قلت: أردتُ أن أشترط. قال: “تشترط بماذا؟” قلت: أن يُغْفَر لي. قال: “أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله”. وما كان أحد أحبّ إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأَ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطَقْتُ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مُت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم وَلِينَا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مُت فلا تَصْحَبْني نائحةٌ، ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فشنوا عليَّ التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور ويُقسم لَحْمُها حتى أسْتَأْنِسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع رسلَ ربي». عمرو بن العاص
وذكر أبو العباس المبرد أنه لما حضرت الوفاة عمرو دخل عليه ابن عباس فقال: «دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فدخل عليه عبد الله بن عمرو فقال له: “يا عبد الله، خذ ذلك الصندوق “، فقال: لا حاجة لي فيه، قال: “إنه مملوء مالًا”، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو: ” ليته مملوء بعرا”، قال: فقلت: يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلًا يموت حتى أسأله كيف يجد فكيف تجدك؟ قال: “أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفس من خرم إبرة”، ثم قال: “اللهم خذ مني حتى ترضى”. ثم رفع يديه فقال: “اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله” ثلاثًا، ثم فاظ.».
صليت عليه صلاة الجنازة بعد صلاة عيد الفطر، فغدا ابنه عبد الله حتى إذا برز به وضعه في الجبانة حتى انقطعت الأزقة بالناس، حتى قيل: «لم يبق أحد شهد العيد إلا صلى عليه ودفنه». واختُلف في مكان قبره، واتفقوا أنه دُفن بسفح هضبة المقطم، في ناحية الفخ، وكان طريق الناس للحجاز. وذكر صاحب كتاب «المزارات المصرية» أن قبره غربي قبل الإمام الشافعي، فيما يُعرف بمقابر قريش. ويبدو أن أثره فُقد. وذكر ابن الزيات أن ابن العاص وعقبة بن عامر الجهني في قبر واحد، وقيل معهم أبو بصرة



