رحيل سيدة الإنسانية… الشيخة حصة بنت خليفة بن حمد آل ثاني

بقلم: الدكتورة ميرفت إبراهيم
سفيرة السلام – دولة قطر
الكاتبة والناشطة في قضايا الإنسانية والتنمية الاجتماعية
بقلوب يملؤها الحزن والإيمان بقضاء الله وقدره، ودّعت قطر أمس واحدة من أنبل نسائها وأبرز رموز العمل الإنساني والاجتماعي، الشيخة حصة بنت خليفة بن حمد آل ثاني، التي رحلت تاركةً أثرًا خالدًا من الخير والعطاء، وسيرةً تفيض بالرحمة والحكمة، وروحًا آمنت بأن الإنسان هو جوهر التنمية وأساس النهضة.
سيرة امرأة جعلت الإنسانية مشروع حياتها
لم تكن الشيخة حصة مجرد شخصية رفيعة المكانة في المجتمع القطري، بل كانت مدرسة في الأخلاق والتواضع، ورمزًا للمرأة التي سخّرت حياتها لخدمة وطنها وأبناء مجتمعها. حملت منذ شبابها قيم آل ثاني الراسخة في الإحسان والكرم ورعاية الضعفاء، لتسلك طريقًا من العطاء الهادئ الذي لا يبحث عن أضواء، بل يترك أثرًا صامتًا وعميقًا في حياة الناس.
دور دولي مشرِّف في الأمم المتحدة
سطّرت الراحلة مسيرة دولية متميّزة عندما تولّت منصب المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة لشؤون الإعاقة (2003–2009)، لتكون بذلك إحدى أهم الشخصيات العربية والخليجية التي مثّلت المنطقة في هذا المنصب الرفيع.
وخلال سنوات عملها في الأمم المتحدة:
• قدّمت تقارير دولية مؤثرة حول أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة حول العالم.
• دافعت بقوّة عن حقوقهم واحتياجاتهم في المحافل الدولية.
• نفّذت زيارات ميدانية للمناطق المتضررة والأزمات الإنسانية، من بينها غزة، لتسليط الضوء على معاناة ذوي الإعاقة في مناطق الصراع.
• أسست لمرحلة جديدة من الوعي الدولي بقضايا الإعاقة، مؤكدة أنّ الإنسانية ليست شعارًا بل ممارسة ومسؤولية.
لقد شكّل حضورها في الأمم المتحدة إضافة نوعية لصوت العالم العربي في قضايا حقوق الإنسان، ورسّخ صورة قطر كدولة مؤمنة بالعدالة والكرامة الإنسانية.
إسهامات اجتماعية محلية لا تُنسى
في قطر، كانت الشيخة حصة شخصية محورية في دعم البرامج التي تعنى بالأسرة والطفل وتمكين المرأة، إلى جانب دعمها المستمر للمؤسسات المعنية بذوي الإعاقة.
كانت صوتًا للضعفاء، وملجأً للمحتاجين، وأمًّا للجميع بلا استثناء.
قدّمت الكثير بصمت، واختارت أن يكون عطاؤها ممتدًا بلا ضجيج، فكانت أعمالها تتحدث عنها أكثر مما تفعل الكلمات.
قيم راسخة… وإرث باقٍ
جسّدت الراحلة منظومة من القيم التي ستظل علامة فارقة في الذاكرة الوطنية:
• الرحمة والإنسانية في أعلى صورها
• التواضع رغم المكانة
• الإحسان والعطاء بلا حدود
• الإيمان بأن خدمة المجتمع واجب ومسؤولية
إنها سيدة الإنسانية بحق، التي تركت خلفها إرثًا يواصل إلهام الأجيال القادمة.
خسارة وطنية موجعة
يشكّل رحيل الشيخة حصة بنت خليفة بن حمد آل ثاني خسارة كبيرة لقطر والعالم العربي، فبرحيلها تفقد البلاد أحد أعمدة العمل الإنساني ووجهًا من وجوه الخير التي لم تتردد يومًا في الوقوف إلى جانب الإنسان، أيًا كانت ظروفه.
وفي هذا المصاب الجلل، يتقدّم الجميع بالدعاء بأن يتغمّد الله فقيدتهم بواسع رحمته، وأن يجزيها عن أعمالها خير الجزاء، وأن يجعل مثواها الفردوس الأعلى.
دعاء لها
نسأل الله أن يرحم الشيخة حصة بنت خليفة بن حمد آل ثاني رحمة واسعة،
وأن يجعل قبرها روضة من رياض الجنة،
وأن يسقيها من ماء الكوثر شربةً هنيئة لا تظمأ بعدها أبدًا،
وأن يجعل إرثها من الخير نورًا يرافقها إلى يوم الدين.



