خطبة اليوم الجمعة صحح مفاهيمك تحريم الغش شرعا

كتبت سوزان مرمر
جاءت موضوع خطبة الجمعة اليوم من موقع وزارة الاوقاف عن صحح مفاهيمك
بسم الله الرحمن الرحيم
صحّح مفاهيمك
الهدف : التعريف الإجمالي بمبادرة “صحح مفاهيمك” التي أطلقتها وزارة الأوقاف وهدفها، والكلام بالتفصيل عن ثلاثة محاور للمبادرة وهي الغش في الامتحانات وتخريب الممتلكات العامة والخلافات الأسرية باعتبارها من أسباب الطلاق.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لاشريك له شهادةً تورِدُنا مواردَ الموحّدين، وتلحقُنا بزمرة الشهداء والصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدًا حبيبُه وصفيُّه النبيُّ الصادقُ الوعدِ الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؛
أما بعد:
فإن مبادرة صحح مفاهيمك التي أطلقتها وزارة الأوقاف المصرية بالتعاون مع مؤسسات الدولة المعنية، مشروع وطني جليل، يهدف إلى بناء إنسان مصري قوي، من خلال تصحيح المفاهيم الدينية والسلوكيات المجتمعية الخاطئة، وتعزيز قيم الانتماء والانضباط، وذلك بمعالجة قضايا تمس الواقع اليومي للمواطن، برؤية علمية وتربوية منضبطة، تستند إلى خطاب ديني رشيد، يعالج الظواهر السلبية بالتوعية والرحمة دون إدانة أو إقصاء.
إن مبادرة “صحح مفاهيمك” ليست حملةً عابرة، بل مشروع وطني لبناء الإنسان المصري الواعي بدينه ووطنه، إنسانًا متوازنًا يجمع بين الإيمان والعلم، بين الانضباط والرحمة، بين التدين الصحيح والسلوك الراقي.
وسوف نتناول في هذه الخطبة ثلاثة محاور من هذه المبادرة التي تزيد على أربعين محورًا، وهي:
المحور الأول: الغش في الامتحانات.
يمثل الغش في الامتحانات واحدًا من أكثر السلوكيات السلبية انتشارًا في البيئات التعليمية على اختلاف مراحلها، وتكمن خطورة هذا السلوك في كونه لا يقتصر على مجرد تجاوز اختبارات دراسية، بل يؤسس لمنظومة فكرية مشوهة تقوم على الخداع، وانتهاك الأمانة، وتفريغ التعليم من جوهره، مما يؤدي إلى إضعاف البنية الأخلاقية والمعرفية للمجتمع.
ومن هذا المنطلق، تضع مبادرة “صحح مفاهيمك” هذا الموضوع في مقدمة أولوياتها، باعتباره مدخلًا أساسيًا لإصلاح الوعي، وترسيخ منظومة القيم، وتطهير البيئة التعليمية من السلوكيات الهدامة.
حرمة الغش بجميع صوره وأشكاله
جاء الإسلام بكل خلق حسن يصون المجتمع عن المضار والأخطار، ومن ذلك: “تحريم الغش بكافة صوره”، فهو خُلُقٌ ذميمٌ، وجريمةٌ منكَرةٌ؛ لأن فيه تضييعًا للحقوق، وضياعًا للأمانة، وقلبًا للحقائق؛ ولذا عُدَّ من صفات غير أهل الإيمان؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [رواه مسلم].
والمراد بقوله: “ليس مني” الإخبار أن الغاش ليس من أهل صفة الإيمان، فإن صفتهم التناصح في الدين، قال العلامة الطِّيبي: لم يرد نفيه عن الإِسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين” [التَّنويرُ شَرْحُ الجَامِع الصَّغِيرِ].
ومفهوم الغش واسع، فهو ليس مقصورًا على البيع والشراء فحسب، بل هو أعم وأشمل من ذلك، وفي هذا يقول العلامة الدكتور موسى شاهين لاشين: “وليس الغش قاصرًا على البيع والشراء، فإنه كذلك يكون في الزواج…، كما يكون في الامتحان بإبراز الجاهل في صورة العالم أمام المصححين، وبإبراز المفلسين والمهملين في صورة الأذكياء المجدِّين.
كما يكون الغش في الوظائف العامة، والأعمال الخاصة، وفي كل المعاملات بإخفاء القبح، وإبراز الحسن غير الحقيقي على سبيل التغرير والخداع، وإنما قرن الغش بالبيع والشراء؛ لأنه أكثر ما يكون فيه”. [فتح المنعم].
“الغش في الامتحانات” من أعظم الجرائم الأخلاقية
إن المعصية المتعديةَ أعظمُ عقوبةً وخطرًا من المعصية القاصرة، والغش في الامتحانات يتعدَّي ضرره للغير حيث يُضْعِفُ مستوى التعليم، وتفقد الشهادات مصداقيتها، ويخرج للمجتمع جهلة يحملون شهادة زور، ومن ثم يؤثر سلبًا على أداء الخريجين مستقبلا في كافة مجالات الحياة؛ بل ينافسون الفُضَلاء المجدّين، الذين أسهروا ليلهم، وقطعوا أيامهم في طلب العلم مما يضيع فرصهم، ومن ثم تتعطل مصالح الأوطان.
إن “الغش في الامتحان” فيه إلحاق للأذى بالبشرية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٥٨].
يقول العلامة ابن عَلَّان: “ومن أشد الإِيذاء: “الغش”؛ لِمَا فيه من تزيين غير المصلحة، و”الخديعة”؛ لِمَا فيها من إيصال الشر إليه من غير علمه”. [دليل الفالحين].
من مظاهر الغش وأشكاله المعاصرة
تتنوع صور الغش بين الطرق التقليدية مثل تبادل الأوراق، والنقل المباشر، والوسائل الرقمية كاستخدام الهواتف الذكية، وسماعات البلوتوث، وتطبيقات المحادثة، كما قد يتخذ الغش شكلًا من أشكال التواطؤ من بعض القائمين على الامتحانات، أو تسريب الأسئلة مقابل المال أو النفوذ، وهو ما يمثلُ جريمةً أخلاقيةً وتعليميةً ومجتمعيةً مزدوجةً.
لا تظن أيها الغاش أنك ستفلح في حياتك
إن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وإذا عملتَ عملًا مبناه على الغش فاعلم أنك تأكل حرامًا، أخذتَ بهذا العمل حقَّ غيرك وجهده، قال العلامة ابن حجر الهيتمي: “وَالْأَحَادِيثُ فِي الْغِشِّ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ كَثِيرَةٌ مَرَّ مِنْهَا جُمْلَةٌ، فَمَنْ تَأَمَّلَهَا وَوَفَّقَهُ اللَّهُ لِفَهْمِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا، انْكَفَّ عَنْ الْغِشِّ، وَعَلِمَ عَظِيمَ قُبْحِهِ، وَخَطَرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَمْحَقَ مَا حَصَّلَهُ الْغَاشُّونَ بِغِشِّهِمْ” [الزواجر عن اقتراف الكبائر].
وكذا من يسمح بالغش لطلابنا فإنه يهمل واجباته الوظيفية، وعليه المسئولية أمام الله تعالى، وفي صحيح البخاري: «مَا مِنْ وَالٍ (مطلق الولاية) يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».
من يساعدُ الغاشّ هما في الوِزر سواء
إن هذا الفعل الدنيء يدل على خبث النفس، وظلمة القلب، وقلة الدين والمروءة، وهو صفة الذين يسعون في الأرض فسادًا؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه].
وعَنْ سَعْدٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ». [رواه البيهقي في “السنن الكبرى].
وكذا من يُعين على الغش، أو يتجاهل القيام بمسئولية منعه أو الإبلاغ عنه، هو والغاش في الإثم سواء؛ لأنه مقصر فيما نيط به من عملٍ، وفعله هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢]، وخيانة للأمانة التي ائتمنه الله عليها، قال تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: ٢٨٣]، وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: ٢٧].
وما من خائنٍ إلا تمثل له خيانته وغدرته لواء يعقد خلف ظهره، ثم يُرمى بخيانته في النار -والعياذ بالله-؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» [رواه مسلم].
قال الإمام النووي: “فيه بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير.
وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على الوفاء، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الغادر، وغدره للأمانة التي قلدها لرعيته، والتزام القيام بها، والمحافظة عليها، فمتى خانهم، أو ترك الشفقة عليهم، والرفق بهم فقد غدر بعهده”. [شرح النووي على مسلم].
الغاشّ في الامتحان يعاقبه الله بضد قصده
إن الإسلام يربي الإنسان على الوضوح والصفاء، والجد والتعب، والصدق، ولا يربيه على البطالة والكسل، والاعتماد على الغير في السعي، وترك الأخذ بالأسباب، بينما الذي يغش في الامتحان يود النجاح والتفوق، والوصول إلى القِمة على حساب الآخرين، فهو لم يطلب العلم ابتغاء وجه الله؛ ولذا كان جزاؤه من جنس عمله، فهو محروم التوفيق، والمدد والعون، ويُبتلى بمحق البركة في حياته، بل ما يتحصَّل عليه من وظيفة أو مال يعد أكلاً للحرام، فضلاً عما ينتظره في الآخرة؛ فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» [رواه الترمذي وابن ماجه].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا. [رواه أبو داود، وأحمد].
الأضرار الفردية والمجتمعية للغش
الغش لا يُعد مخالفة تعليمية فحسب، بل هو بوابة إلى ضعف الضمير، وتشويه التنافس الشريف، وغياب العدالة، وتكريس قيم الزيف والأنانية، وتنعكس آثاره على الفرد في صورة فِقْدانِ الثقة بالنفس، واعتياد الالتفاف على القانون، بينما يؤدي على مستوى المجتمع إلى إنتاج جيل يحمل شهادات بلا كفاءة، ويفتقر إلى الجدارة والنزاهة.
وختامًا:
فإننا نهدف من خلال معالجتنا لظاهرة الغش في الامتحانات إلى بناء ثقافة تعليمية تقوم على النزاهة والتكافؤ، وصناعة جيل يؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالجهد، وأن الاحتيال في التحصيل المعرفي هو مقدمة للفساد في العمل والحياة، وهو ما يتنافى مع الدين والعقل والمروءة



