حين يختبئ الرجال في فناجين القهوة

مروة طايل
على مزاج القهوة… هكذا يُشبه الرجال..
من المعلوم أن للقهوة بروتوكول خاصه جدا ،قد يتعدي في خصوصيته هذه لان يبلغ حد القداسة
كأن تجلس في ركن هادئ، تترك فيروز تهمس في الخلفية، وتفتح كتابًا يرافقك.
أما أنا !!
فتركت الكتاب جانبًا واكتفيت بفنجاني.
جلست أتأمل بخاره المتصاعد، وكأنني أقرأ فيه وجوه الرجال من حولي… أولئك الذين شكلوا ملامح التجربة والفهم.
وقد اكتشفت أن القهوة ليست مجرد مشروب، بل مرآة دقيقة تكشف الشخصيات. لكل رشفة طعم، ولكل فنجان قصة، تمامًا كما لكل رجل بصمته الخاصة به
وفنجاني له حكايات..
الحكاية الأولى: السكر يغلب البن (السرياقوسي) :
دخل حياتي كالقهوة البلدي الثقيلة، عطره يسبق كلماته .
كان خفيف الظل، يضحكني بكلمة ويُسكرني بإبتسامة، لكن حين بحثت عن “البن”… لم أجد سوى القليل.
كلامه أكثر من أفعاله، حضوره صاخب لكنه بلا قرار. أدركت يومها أن هناك رجالًا يصلحون لفتح صباحك، لكن لا يصلحون لمشاركة عُمرك.
أما “السكر الزائد”،
فكان رجلًا يغرقني في الرومانسية حد الاختناق. يكتب ويغني ويضحك… لكن عند الجد يذوب ويختفي. كفنجان قهوة “زياده” سكرها زائد لدرجة تخنقك من أول رشفة.
الحكاية الثانية: بين البينين ( المانو):
رجل لم يعرف يومًا ماذا يريد.
تارةً يحدثني عن الاستقرار، و أخرى ينكر حاجته إليه.
اليوم جاد ، وغدًا هازل…
كأنني أقف معه على سلم نصفه مكسور. غير قادرة على الصعود، ولا أستطيع النزول.
عنوان حكايته دائماً في منتصف الطريق..
الحكاية الثالثة: القهوة المضبوطة:
كان رجلًا يعرف قيمة التوازن. لا يزيده ولا ينقصه، لا يعلو صوته عبثًا ولا يخفي حضوره.
حياته كلها بحساب، يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
تمامًا كفنجان قهوة مضبوطة… لا يطغى فيه السكر على البن، ولا البن على السكر.
الحكاية الرابعة: التقيل على الريحة:
رجل لا يُنسي حضوره. يدخل المكان فيملؤه هيبة، لا يختبئ وراء الكلمات، ولا يُغطي مرارته بالسكر.
ذو طعم قوي، قد يصعب على البعض تذوقه، لكن من يجرؤ على تذوقه سيدمنه .
هو الرجل الناضج، الذي لا يُجرِب، بل يعرف تمامًا ما يريد..
الحكاية الخامسة: السادة… المرارة الصريحة:
رجل واجهني بحقيقته كاملة. بلا أقنعة، بلا زخارف.
كان مُراً، يوزن العقل بإقتناع… و مرارته جعلتني أحترمه أكثر من عشرات الوجوه المزيفة.
الحياة معه صعبة، لكنها حياة مع رجل حقيقي.
الحكاية السادسة: المحوج… الغامض المتلون :
هو الرجل الذي لا يكتمل اكتشافه أبدًا.
كلما اقتربت منه، وجدت طبقة جديدة، نكهة أخرى.
يُدهشك مرة، ويُربكك أخرى… تمامًا كالقهوة المحوجة، التي لا تُفهم من أول رشفة.
ما بين السكر والمرارة:
في النهاية، علمتني القهوة أن الرجال مثلها..مثل فن يستصاغ.
ليس مهم أن أجرب كافة ألوانها ، بل أن أعرف ذوقي الحقيقي وأختار ما يناسبني.
فالمرارة ليست دائمًا عيبًا، كما أن الحلاوة ليست دائمًا ميزة.
القهوة والرجال وجهان لفن واحد: “فن التذوق”..
كل فنجان حكى لي عن رجل… وكل رجل كان مرآة لفنجان. أدركت في النهاية أنني لم أكن أبحث عن الطعم وحده، بل عن الحكمة خلف كل رشفة.
والصدمة؟
أنني وجدت نفسي في النهاية أشبه قهوتي المفضلة… سادة، بلا إضافات، واضحة، لا تُحتمل إلا لمن يجيد تذوق الصدق حتى لو كان مُراً..
ويبقى السؤال الذي يطاردني مع كل فنجان:
هل حقا يجب ان نبحث عن السكر… أم عن القهوة نفسها؟ ☕🤎